facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما تصبح الإمبراطوريات خبرًا


د. بركات النمر العبادي
05-04-2026 12:41 PM

* قرأة فلسفية - الأفول وسؤال البقاء - من وجهة نظر محافظة

في لحظةٍ ما من التاريخ ، لا تُعلن الدول نهايته ا، بل تتسلل إليها بصمت ، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة كما يتخيل العامة ، بل تنطفئ تدريجيًا ، مثل جذوةٍ كانت يومًا نارًا عظيمة ، هنا ، لا يكون السؤال : متى سقطت ؟ بل : متى بدأت تفقد روحها ؟

لقد لخّص الحديث النبوي الشريف هذه الحقيقة الإنسانية العميقة حين قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهرِ، معافىً في جسدِه، عندهُ قوتُ يومِه ِ، فَكَأَنَّما حِيزتْ لهُ الدُّنيا». في هذا المعنى ، لا تُقاس قوة الدول باتساع حدودها ، بل بقدرتها على توفير الأمن والكرامة والعيش الكريم لمواطنيها ، وعندما تعجز عن ذلك ، يبدأ العدّ التنازلي ، حتى وإن بدا ظاهرها قويًا.

التاريخ ليس إلا سجلًا طويلًا لهذه الحقيقة ، فمن سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى سقوط الدولة العثمانية ، لم يكن السقوط وليد لحظة عسكرية حاسمة ، بل نتيجة تراكمات داخلية : فساد إداري ، ترهل اقتصادي ، وانفصال بين الحاكم والمجتمع ، إنها لحظة يفقد فيها الكيان السياسي مبرر وجوده ، قبل أن يفقد وجوده نفسه.

الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون أدرك هذه الدورة مبكرًا ، حين تحدث عن تحوّل الدول من القوة إلى الترف ، ثم إلى الضعف ، فالدولة ، في جوهرها ، ليست مؤسسات فحسب ، بل منظومة قيم ؛ وإذا تآكلت القيم ، لم تعد القوانين قادرة على إنقاذها.

وإذا انتقلنا إلى الحاضر، فإن التساؤلات تُطرح بهدوء ، ولكن بقلق متزايد ، حول مستقبل الولايات المتحدة. ، ليس لأنها على وشك السقوط ، بل لأنها تُظهر ملامح مرحلة تاريخية مألوفة : استقطاب داخلي حاد ، إرهاق من الأدوار الخارجية ، وتحديات اقتصادية متراكمة ، تلك ليست نهاية ، لكنها إشارات تُقرأ في ضوء التاريخ.

وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية : هل يمكن أن تُسرّع الخيارات الأيديولوجية من أفول الدول ؟ حين تنخرط القوى الكبرى في سياسات تفقدها توازنها الأخلاقي أو تُدخلها في صراعات طويلة ، فإنها قد تزرع بذور إنهاكها بيدها ، وقد يرى البعض أن ارتباط بعض السياسات بـ الصهيونية يمثل أحد أوجه هذا الاختلال ، ليس بوصفه السبب الوحيد ، بل كجزء من شبكة معقدة من القرارات التي تعيد تشكيل الأولويات وتُربك التوازنات.

لكن الحقيقة الأعمق تظل ثابتة : الدول لا تسقط بسبب أعدائها فقط ، بل بسبب ما يحدث داخلها ، فحين تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته ، وحين يشعر الفرد أن الدولة لم تعد تعكس مصالحه أو قيمه ، تبدأ الشرعية بالتآكل ، ويصبح السقوط مسألة وقت ، لا احتمال.

وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة ، لا يعود السؤال : كيف نمنع السقوط ؟ بل : ماذا يبقى بعده ؟ فالدول قد تزول ، لكن المجتمعات التي تحتفظ بقيمها قادرة على إعادة البناء ، أما تلك التي فقدت روحها ، فإنها تتحول إلى مجرد ذكرى ، أو سطرٍ في كتاب تاريخ.

في النهاية ، ليست المأساة أن تصبح الإمبراطوريات خبرًا ، فهذا قانون التاريخ ، بل المأساة أن تفقد المجتمعات قدرتها على النهوض بعد سقوطها ، فالدولة القوية ليست التي لا تسقط ، بل التي تزرع في شعبها ما يجعله قادرًا على البقاء ، حتى بعد أن يطويها الزمن.

هكذا ، يصبح السؤال الحقيقي لكل أمة : هل نبني دولة تعيش بنا ، أم مجتمعًا نعيش بعده ؟

حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :