عندما تصبح الإمبراطوريات خبرًا
د. بركات النمر العبادي
05-04-2026 12:41 PM
* قرأة فلسفية - الأفول وسؤال البقاء - من وجهة نظر محافظة
في لحظةٍ ما من التاريخ ، لا تُعلن الدول نهايته ا، بل تتسلل إليها بصمت ، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة كما يتخيل العامة ، بل تنطفئ تدريجيًا ، مثل جذوةٍ كانت يومًا نارًا عظيمة ، هنا ، لا يكون السؤال : متى سقطت ؟ بل : متى بدأت تفقد روحها ؟
لقد لخّص الحديث النبوي الشريف هذه الحقيقة الإنسانية العميقة حين قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهرِ، معافىً في جسدِه، عندهُ قوتُ يومِه ِ، فَكَأَنَّما حِيزتْ لهُ الدُّنيا». في هذا المعنى ، لا تُقاس قوة الدول باتساع حدودها ، بل بقدرتها على توفير الأمن والكرامة والعيش الكريم لمواطنيها ، وعندما تعجز عن ذلك ، يبدأ العدّ التنازلي ، حتى وإن بدا ظاهرها قويًا.
التاريخ ليس إلا سجلًا طويلًا لهذه الحقيقة ، فمن سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى سقوط الدولة العثمانية ، لم يكن السقوط وليد لحظة عسكرية حاسمة ، بل نتيجة تراكمات داخلية : فساد إداري ، ترهل اقتصادي ، وانفصال بين الحاكم والمجتمع ، إنها لحظة يفقد فيها الكيان السياسي مبرر وجوده ، قبل أن يفقد وجوده نفسه.
الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون أدرك هذه الدورة مبكرًا ، حين تحدث عن تحوّل الدول من القوة إلى الترف ، ثم إلى الضعف ، فالدولة ، في جوهرها ، ليست مؤسسات فحسب ، بل منظومة قيم ؛ وإذا تآكلت القيم ، لم تعد القوانين قادرة على إنقاذها.
وإذا انتقلنا إلى الحاضر، فإن التساؤلات تُطرح بهدوء ، ولكن بقلق متزايد ، حول مستقبل الولايات المتحدة. ، ليس لأنها على وشك السقوط ، بل لأنها تُظهر ملامح مرحلة تاريخية مألوفة : استقطاب داخلي حاد ، إرهاق من الأدوار الخارجية ، وتحديات اقتصادية متراكمة ، تلك ليست نهاية ، لكنها إشارات تُقرأ في ضوء التاريخ.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية : هل يمكن أن تُسرّع الخيارات الأيديولوجية من أفول الدول ؟ حين تنخرط القوى الكبرى في سياسات تفقدها توازنها الأخلاقي أو تُدخلها في صراعات طويلة ، فإنها قد تزرع بذور إنهاكها بيدها ، وقد يرى البعض أن ارتباط بعض السياسات بـ الصهيونية يمثل أحد أوجه هذا الاختلال ، ليس بوصفه السبب الوحيد ، بل كجزء من شبكة معقدة من القرارات التي تعيد تشكيل الأولويات وتُربك التوازنات.
لكن الحقيقة الأعمق تظل ثابتة : الدول لا تسقط بسبب أعدائها فقط ، بل بسبب ما يحدث داخلها ، فحين تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته ، وحين يشعر الفرد أن الدولة لم تعد تعكس مصالحه أو قيمه ، تبدأ الشرعية بالتآكل ، ويصبح السقوط مسألة وقت ، لا احتمال.
وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة ، لا يعود السؤال : كيف نمنع السقوط ؟ بل : ماذا يبقى بعده ؟ فالدول قد تزول ، لكن المجتمعات التي تحتفظ بقيمها قادرة على إعادة البناء ، أما تلك التي فقدت روحها ، فإنها تتحول إلى مجرد ذكرى ، أو سطرٍ في كتاب تاريخ.
في النهاية ، ليست المأساة أن تصبح الإمبراطوريات خبرًا ، فهذا قانون التاريخ ، بل المأساة أن تفقد المجتمعات قدرتها على النهوض بعد سقوطها ، فالدولة القوية ليست التي لا تسقط ، بل التي تزرع في شعبها ما يجعله قادرًا على البقاء ، حتى بعد أن يطويها الزمن.
هكذا ، يصبح السؤال الحقيقي لكل أمة : هل نبني دولة تعيش بنا ، أم مجتمعًا نعيش بعده ؟
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي