الأردن .. صوت العقل في زمن العواصف
د.ماهر سليم
12-04-2026 03:29 PM
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، وتشتعل بؤر التوتر من غزة إلى جنوب لبنان الى الخليج العربي و ايران حيث تتعقد الحسابات الإقليمية والدولية، يبرز الأردن كإحدى الدول القليلة التي تمكنت من الاحتفاظ بتوازنها السياسي وصلابة موقفها الوطني. وبينما تتقاذف المنطقة أمواج الصراع والتجاذبات الحادة، نجح الأردن في أن يقدّم نموذجًا مختلفًا: نموذج الحكمة في مواجهة التهور، والاعتدال في مواجهة الإفراط، والثبات في مواجهة محاولات جرّ المنطقة إلى الفوضى.
لقد اختار الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، أن يسلك طريقًا صعبًا لكنه صائب؛ طريق حماية الدولة والمجتمع من الانزلاق إلى صراعات لا تخدم سوى من يشعلونها. فقد واجه الأردن خلال السنوات الأخيرة تحديات معقدة، من اضطرابات الإقليم إلى الضغوط الاقتصادية والتوترات العسكرية المحيطة، لكنه أصر على أن يكون صوت العقل لا صوت الحرب، وأن يبقى صمام أمان في منطقة تتآكل فيها الضوابط وتشتد فيها الاستقطابات.
ولعل أبرز ما يميز الموقف الأردني هو قدرته على الموازنة بين دعم القضايا العادلة للأمة وبين الحفاظ على استقرار البلاد. فالأردن يرفض التصعيد الذي يهدد أمن الشعوب، وفي الوقت ذاته يصر على حماية سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها، مؤكدًا أن الأمن العربي وحدة لا تتجزأ. ومن هذا المنطلق، وقف الأردن إلى جانب الأشقاء في الخليج العربي، إدراكًا منه أن أمن الخليج هو جزء أصيل من أمن الأردن، وجزء لا ينفصل عن منظومة الأمن القومي العربي.
كما اتسمت الدبلوماسية الأردنية بالمرونة والواقعية، فبينما تشتعل الخلافات حوله، ظل الأردن مساحة للحوار ووجهة للوساطة الإقليمية. وبفضل هذه السياسة المتوازنة، اكتسب احترامًا دوليًا جعله صوتًا يُسمع في زمن ترتفع فيه الأصوات ويقل فيه العقل.
إن قراءة التجربة الأردنية اليوم تبرز حقيقة واضحة:
الدول لا تُقاس بمواردها فقط، بل بقيادتها، ورؤيتها، وقدرتها على اتخاذ القرار الصائب في اللحظة الصعبة.
وهذا ما فعله الأردن؛ إذ أثبت أن الاعتدال ليس ضعفًا، بل قوة واعية، وأن الحكمة ليست ترددًا، بل ثباتًا مدروسًا، وأن الاستقرار ليس صدفة، بل خيار استراتيجي يُصنع يومًا بعد يوم.
وسط العواصف التي تضرب الإقليم، يبقى الأردن نموذجًا لدولة تعرف كيف تحمي مصالحها وكيف تحافظ على بوصلتها السياسية دون أن تفقد دورها العربي أو رسالتها الإنسانية. وهكذا، يظل الأردن — رغم كل التحديات — واحدًا من أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط، وصوتًا للعقل في زمن يعلو فيه ضجيج الصراع.