الأردنيون والحرب .. «قراءة رقمية»
د.محمد ابورمان
13-04-2026 01:23 AM
تكمن أهمية الدراسة التحليلية الرقمية التي أشهرها معهد السياسة والمجتمع، أول أمس، عن اتجاهات الرأي العام الأردني تجاه الحرب الأميركية (الإسرائيلية)- الإيرانية أنّه يعطينا مؤشراً رقمياً دقيقاً، يشمل عينة واسعة من اتجاهات الشارع الأردني اتجاه الحرب؛ إذ يصل عدد الحسابات التي شملتها الدراسة ما يقارب 31 ألف حساب، وملايين التفاعلات الرقمية الأردنية مع المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي، وهي عينة كبيرة جداً مقارنة بالعينات والطرق التقليدية في تحليل اتجاهات الرأي العام عموماً.
بالضرورة ثمّة محددات رئيسية أشارت إليها الدراسة؛ سواء ما يتعلّق بقانون الجرائم الإلكترونية وخشية الناس من تجاوزه، أو البيئة العامة في البلاد التي شهدت استقطاباً شديداً في أراء الناس على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مما دفع بالكثيرين إلى الغرف أو المجموعات المغلقة بخاصة على موقع الفيس بوك، وهو الأكثر انتشارا أردنياً. مع ذلك فإنّ «العينة» الموجودة في الدراسة هي عينة كبيرة نسبياً، وتمثّل المقياس الأفضل لمعرفة اتجاهات الرأي العام ضمن المحددات السابقة.
هنالك كمّ كبير من الأرقام والنتائج الكمية والنوعية التي تستحق القراءة والمراجعة (والتقرير منشور على الموقع الالكتروني للمعهد)، لكن لعلّ أبرز هذه النتائج تتمثّل في أنّ غالبية الأردنيين هي ضد الحرب، وأنّ الغالبية العظمى منهم 66 % تتسم منشوراتهم بالغضب (على صعيد المشاعر والعواطف التي تصنّف مشاعر الأردنيين في الحرب)، كما أنّ الغالبية من الأردنيين ضد الضربات الإيرانية على الخليج، وضد دخول حزب الله الحرب، وفقط 2.3 % من الأردنيين ينظرون إلى الموقف الأميركي من الحرب الراهنة، فيما يحمّل غالبية الأردنيين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مسؤولية امتداد الحرب.
النتيجة المفاجئة، بالنسبة لكاتب هذه السطور، وهي التي تهم في عملية بناء السياسات والقرارات الحكومية، بالاستناد إلى اتجاهات الرأي العام، تتمثّل في أنّ الغالبية العظمى لم تأخذ موقفاً مع هذا الطرف أو ذاك، أي أنّه يمكن وصف موقفها – عموماً- بالمحايد، بينما فقط نسبة قليلة لا تصل إلى 7 % هي التي أخذت «مواقف إيجابية» تجاه طرف في الصراع ضد الآخر، ويعني ذلك أنّ النسبة الكبيرة من الأردنيين كانت أقرب إلى الحياد، وليس كما يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنّنا في حرب رقمية مستعرة في الداخل بين أصدقاء إيران وخصومها، فهذه المعركة كانت تدور رحاها فقط بين فئة محدودة جداً، لكن بسبب الخوارزميات بدت بالنسبة لكثير من الأردنيين، ومن هم خارج الأردن وكأّنها معركة كبيرة تشغل الرأي العام الأردني، أو أنّ الأصوات المتطرفة مع هذا الطرف أو ذاك هي التي تمثّل الشارع الأردني لكن – الواقع- أنّ الاعتدال هي السمة الرئيسية التي قد تكون توصّف الاتجاه العام The Main Stream للرأي العام الأردني.
أصبحت أدوات تحليل مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية منهجية مهمة متقدّمة، مع الأخذ بعين الاعتبار – بالضرورة- العديد من المحددات، في فهم الرأي العام واتجاهاته، بخاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المرآة الرئيسية التي تعكس اتجاهات الرأي العام، وتوفر المساحة الأكثر شيوعاً للتعبير عن الأراء والأفكار، وباتت – أي وسائل التواصل الاجتماعي- تدخل بصورة كبيرة وفاعلة في إعادة تعريف المجال العام والرأي العام عموماً، واستناداً على هذا التقييم فإنّ مثل هذه الأدوات- المقاييس أصبحت – بالضرورة- متطلباً أساسياً في عملية صنع القرار، لمعرفة المدخلات المطلوبة، التي تتعلّق بالبيئة الداخلية السياسية والمطالب ومستوى الدعم في هذه العملية، وكذلك الأمر على صعيد التغذية العكسية أيضاً للقرارات والتوجهات الحكومية.
الدستور