حين تسقط الأخلاق يسقط القانون فتسقط القوة
سارة طالب السهيل
13-04-2026 01:25 AM
في لحظةٍ ما، لا يسمع الطفل صوت الصاروخ… بل يسمع ما بعده.
صمتٌ ثقيل، وغبار، وأسئلة لا يفهمها: لماذا سقط البيت؟ ولماذا لم يحمِه أحد؟
هنا، لا تبدأ الحرب من الجبهات… بل من انهيار القيم.
الحرب الدائرة اليوم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مع امتدادها إلى لبنان، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي اختبار يبدو أن العالم يخسره أمام أعين الضحايا.
القانون حين يُطبّق انتقائيًا
نصّت اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977 على حماية المدنيين والمنشآت الطبية والتعليمية، باعتبارها خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها حتى في أحلك الحروب.
لكن الواقع يكشف عن صورة مغايرة تمامًا.
فلم يعد استهداف المدنيين استثناءً، بل أصبح رقمًا في نشرات الأخبار؛ إذ تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 75 ألف شخص في غزة، يُقدَّر أن نحو 80% منهم مدنيون، فيما تتزايد التقارير عن استهداف مباشر أو غير مباشر لمرافق مدنية يفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي.
وحين تُقصف مدرسة أو مستشفى، لا يُطرح السؤال القانوني أولًا: هل هذا انتهاك؟
بل يُطرح السؤال السياسي: من الذي نفّذ؟
هنا، يتراجع القانون خطوة، ويتقدم التبرير.
السيادة… مفهوم يُعاد تعريفه
ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. نص واضح، لا يحتمل التأويل.
ومع ذلك، تُنفّذ ضربات عسكرية عبر الحدود دون تفويض أممي، ويُعاد تسويقها تحت عناوين مثل "الدفاع عن النفس" أو "الردع الاستباقي".
في لبنان، تشير التقارير إلى سقوط نحو 666 قتيلًا خلال أسبوعين فقط، مع تقديرات بأن 80% منهم مدنيون، في ظل عمليات عسكرية امتدت إلى مناطق سكنية.
وهنا تتجلى المفارقة:
ما يُدان إذا صدر عن دولة ضعيفة، يُبرَّر إذا صدر عن دولة قوية.
الحرب كصراع على الموارد والهيمنة
وبعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يختبئ خلف مفاهيم "الأمن" و“الدفاع”، يبرز سؤال أكثر عمقًا:
هل نحن أمام حرب تقليدية… أم أمام نمط معاصر من إعادة توزيع النفوذ؟
في كثير من القراءات السياسية، لا تُفهم هذه الحروب فقط باعتبارها صراعات عسكرية، بل كجزء من صراع على الموارد، والممرات الاستراتيجية، والنفوذ الاقتصادي.
حيث تتحول الأرض إلى مساحة تنافس، والثروات إلى هدف غير معلن، والسلطة إلى غاية تُعاد صياغتها بالقوة.
ولعل الأخطر أن هذه الحرب لم تعد تُقرأ فقط كصراع عسكري، بل كصراع على الموارد والنفوذ، حيث تختلط أهداف الأمن بأهداف السيطرة، وتتحول الجغرافيا إلى مجال لإعادة توزيع الثروة والسلطة، في مشهد يقترب في نظر كثيرين من كونه إعادة تشكيل للهيمنة أكثر من كونه دفاعًا مشروعًا.
العدالة المؤجلة… أو العدالة المسيسة
يعرف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية استهداف المدنيين والمنشآت المدنية كجرائم حرب. لكن العدالة الدولية لا تتحرك بالنصوص وحدها، بل تتعثر أمام الحسابات السياسية.
فحق النقض في مجلس الأمن لا يوقف الحرب دائمًا، بل يوقف أحيانًا المساءلة.
وبين النص القانوني والواقع السياسي، تضيع العدالة في منطقة رمادية، حيث يُحاسَب الضعفاء، ويُستثنى الأقوياء.
الضحايا… خارج الحسابات
في قلب كل هذا الجدل، هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: المدنيون هم الضحية الأولى.
تشير تقارير إنسانية إلى أن أكثر من 1,100 طفل سقطوا بين قتيل وجريح خلال أيام من التصعيد، بينما نزح أكثر من 3 ملايين شخص داخل إيران، إضافة إلى مئات الآلاف في لبنان.
هذه ليست أرقامًا مجردة، بل حيوات تُقتلع من سياقها.
أطفال يكبرون على صوت القصف، لا على صوت جرس المدرسة.
ومجتمعات تُعاد صياغتها نفسيًا تحت ضغط الخوف المستمر.
ليس استثناءً… بل نمط متكرر
ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الانتقائية.
من غزو العراق عام 2003 دون تفويض أممي، إلى الحروب المتكررة على غزة، إلى التأخر في التدخل خلال حرب البوسنة رغم المجازر
يتكرر المشهد ذاته:
قانون يُكتب بلغة عالمية،
ويُطبّق بميزان سياسي.
حين يفقد القانون معناه
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في ما تتركه من أثر على فكرة العدالة نفسها.
حين يرى العالم أن القانون لا يحمي إلا من لا يحتاج الحماية،
وأن العدالة تُفعّل انتقائيًا،
فإن الثقة بالنظام الدولي لا تتآكل تدريجيًا… بل تنهار.
وعندها، لا تعود القوة أداة تُستخدم خارج القانون،
بل تصبح هي القانون.
ان هذه الحرب هي حرب استيلاء على الموارد و الأموال و هي عمليات سطو للموارد و المال والأرض والسلطة
و كأنها عمليات مارك والخمسين حرامي الذين
لا يرفعون راية الحرب فقط، بل يمدّون أيديهم إلى ما تحت الأرض وما فوقها…
الراي