facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمّان، تشبه أبا أحمد


سماح موسى
15-04-2026 01:38 PM

في مساء يتلوّن بأضواء عمّان الصافية، يلوّح الناس لأحلامهم مبتسمين. رغم كدر الحرب التي تطوّق العالم، وصفّارات الإنذار التي تروح وتجيء، ثمّة ابتسامة تعلو قلوب المارّة، تطوّقهم بالأمل، يحيي فيهم العيش، فيكملون نهارهم، وأحلامهم التي أراها تنبع من شيء خفي في عيونهم، كلمعة يقولها القلب.

أسيرُ في شوارع وسط البلد، لا يبدو الليل يشبه الليل، ولا حتى النّهار، هل هي ظاهرة أخرى لا أعرفها، أم هي فقط: عمّان.

الشوارع تفوح مطرًا يختلط بأم تحضن ابنها الرضيع وتنام. أتأمل بضع أوراق صفراء، وأتساءل عن حال الأشجار، هل تئنّ مطالبة بالربيع، أم أنّها معتادة على خريفها، لا أدري، ربما هي مثلنا، تفهم أنّ العالم لن ينجو من الحرب، تتصالح مع لغة الأرض، فتتأمل السقوط مثلي، وتبتسم كالمارّين.

على أحد أطراف الشوارع، على بعد ما يُقارب مئة متر، يقف الحاج أبو أحمد وينده بعبارته المشهورة: "لا تزعلي يا فاين، لا تبكي يا فاين"، أرى نورًا هادئا يشعّ من روحه، فأقترب لأشتري "الفاين"، تؤلمني بحّة صوته المتعبة، وأرى بقربه عصا يتكئ عليها في سيره. يؤمن أبو أحمد أنّ "مرض العشاء الليلي" الذي أصابه وأودى به كفيفًا، ما هو إلا امتحان من الله؛ لأنه يحبّه. يقول وهو يوزّع الحلوى بضحكات يرتدّ صداها زوايا العالم، فتحيي القحط في الصحاري:

ـــ يا بنتي، الله أعطى بعض الناس المال، والبعض الآخر: الحكمة.

فأردُّ عليه:

ـــ والحكمة أبقى.

يجيب بنبرة تعلوها سعادة مختلفة، كحنجرة حنونة تنشد وهي تبكي:

ـــ نعم، وهي رصيدنا يا بنتي. محبّة الله، إنه ربنا يحبّك، ربنا كتبلي القبول في الأرض يا بنتي، هذا بيكفيني وزيادة.

العم أبو أحمد حين فقد بصره، فقد عمله، وعاش يبيع "الفاين" بقناعة وضحكة، وحلوى يوزّعها على المشترين. تأملت طويلا، لمَ يوزع أبو أحمد الحلوى، فوجدتُ أنّه يوزّع الفرح، وينشر البهجة التي راحت تختبئ بين زوامير الحزن. عمّان تشبه أبا أحمد، توزّع أفراحها وهي تئنّ، تترك أثرًا صامتا في الرّوح، لهذا تنثر الحنين وسط الاغتراب؛ لأنّها حنونة، تأخذ بأيدي أناسها دون أن يدركوا، تحاول أن تمسح عنهم الهم.

تشهد الغصّات، وتعرف أنّ شوارعها تعاني، تتلقّف الحلوى كأبي أحمد وتوزّعها على العابرين. يصافح أبو أحمد عمّان، يؤذّن العشاء، فيخطو مستدلًا بعصاه إلى المسجد الحسيني، يناديه الباعة فيردّ: " بعدين بعدين، بدي ألحق الصلاة"

يدرك أبو أحمد أنّ الأثر أعظم الكنوز، فيودّعني بدعوات قلبية، أشرد فيها بساحة الحسيني، ألمح أفراد الأمن يقفون قرب سيّارتهم، أرى فيهم وصية قائدهم: جلالة الملك عبد الله الثاني، وصية الوطن. تمتزج الأضواء مع خفقان المدينة، الناس يتبدّلون كفلم متسارع، تتسّع الشوارع بعد أن تضيق، يرمي طفلٌ كرته لطفل آخر، ويعترضهم بائع الماء، وعلى امتداد قريب، كشك الكتب والتحف، هناك حيث تنده الكتب بخجل، تأمل أن يعود الوقت ليتحاشد عليها القرّاء، فتستقي نفسًا فيما تراقب مثقفا يقتني أحدها، حينها لا تلفّ رأسها للخلف، بل تراقب المدينة بصمت، وتحاول أن تستشرف الغد.

غادرت وسط المدينة، وما زالت صورة أبي أحمد عالقة، وامرأة تجلس على كرسيّ متحرّك على الرصيف، تراقب الفراغ بحزن عتيق، تبتسم لي، لتلقي بوهم الحزن في ذات الفراغ، فتزرع نبتة في فضاء الأرض، تنمو خلالها لغة الحبّ فوق الحرب، وحزن عمّان الصامت، الذي أحاول انتزاعه من قلبي.

وضّبتُ الذكرى وكتبتُ: إلى لقاء آخر يا عمّان .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :