facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يرتفع العلم: انتظام المعنى في قلب الاضطراب


بقلم د. نرمين نضال الشريفين
15-04-2026 06:49 PM

في يوم العلم الأردني لا يُختزل المشهد في رمزية ظاهرة ولا يُقرأ بوصفه لحظة احتفال عابرة.. ثمة ما يتشكل بهدوء خلف هذا الارتفاع بنية من الاتساق يصعب الإمساك بها لغوياً لكنها تُدرك بوضوح في انتظام التفاصيل..

كأن الراية وهي تعلو لا تضيف معنى بقدر ما تكشف عن نظام ظل يعمل بصمت محافظاً على توازنه وسط اختلالات متلاحقة..

في فضاء إقليمي لم يعرف الاستقرار طويلاً حيث تتابعت الانهيارات وتفككت أنماط كانت تبدو عصية على التغيير بقي الأردن في موقع مختلف لا خارج التحولات بل في قلبها دون أن يسمح لها بأن تعيد تشكيله من الداخل، وهذه ليست مصادفة تاريخية لكنها نتيجة بنية تعرف كيف تمتص الصدمات دون أن تفقد شكلها وكيف تعيد ترتيب ذاتها دون أن تنزلق إلى التفكك أو الجمود..

هذا النوع من الثبات لا يُعلن عن نفسه ولا يحتاج إلى إثبات مباشر يُقرأ من خلال ما لم يحدث، من غياب الانكسار حين كان متوقعاً، ومن بقاء التماسك حين كان الانفلات هو القاعدة..

وهنا تحديداً يصبح العلم امتداداً بصرياً لهذه المعادلة الدقيقة ليس بوصفه رمزاً منفصلاً ولكنه كتجسيد مكثف لخيطٍ ناظم يربط بين التحول والاستمرار.. حين يُرفع لا يبدو كأنه يعلن بل كأنه يذكر بأن هناك مركزاً لم يتزحزح رغم كل ما تحرك حوله..

الألوان في هذا السياق لا تُقرأ كإرث بصري فقط لكنها كطبقات من معنىٍ متراكم.. الأسود يحتفظ بصلابة الذاكرة التي لم تُستنزف، والأبيض يفتح مجالاً للاتساع دون أن يفقد حدوده، والأخضر يمر كاستمرار لا يحتاج إلى ضجيج، والأحمر يضع أثراً لا يُمحى، كأنه يذكّر بأن الكلفة جزء من البقاء.. أما النجمة فتبدو كأنها مركز ضبط لا يجمع العناصر بقدر ما يحفظ توازنها..

في التفاصيل اليومية بعيداً عن الخطاب يظهر هذا الاتساق بشكل أوضح في إيقاع المدن في طريقة استمرار الحياة رغم كل ما يحيط بها في ذلك الهدوء الذي لا يلفت الانتباه لكنه يحفظ كل شيء في مكانه..

ولا يمكن فهم هذا دون التوقف عند الإطار الذي منح هذا التوازن قابليته للاستمرار فحضور جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم (حفظه الله ورعاه)، لا يقاس بحدود الخطاب أو الصورة بل بقدرته على إدارة هذا التوازن الدقيق دون أن يفقده معناه فليس كل استقرار يتم الحفاظ عليه ولا كل توازن يُدار بهذه الحساسية.. هناك فرق بين من يفرض الثبات ومن يصونه دون أن يُثقله..

وفي تجربة الأردن كان هذا الفرق حاسماً فالقيادة هنا لم تعمل على تثبيت الشكل بل على حماية البنية ولم تُراكم الشعارات لكنها حافظت على المسار وهذا ما جعل الاستمرارية ممكنة ليشت توصف بالحالة الجامدة بل كفعل متجدد من إعادة الضبط في كل مرة تقترب فيها الأمور من حافة الاختلال..

وربما لهذا حين يرفع العلم لا يشعر الفرد بأنه أمام مشهد رمزي فقط بل أمام شيء أقرب إلى الاطمئنان غير المعلن لا لأنه مفسر بل لأنه مُعاش..

في تلك اللحظة تتراجع الفوضى خطوة إلى الخلف لا تختفي لكنها تفقد قدرتها على الامتداد ويصبح الانتماء أقل قولاً وأكثر حضوراً فهو يظهر في الطريقة التي تبقى فيها الأشياء متماسكة حتى حين لا يكون ذلك مضموناً..

وهنا، لا يبقى السؤال: ماذا يعني العلم؟
بل: كيف استطاع هذا المعنى أن يبقى وأن يعاد إنتاجه بهدوء في زمنٍ كانت فيه المعاني نفسها عرضة للانهيار..

لهذا لا يقرأ يوم العلم كاحتفال رمزي بل كإشارة هادئة إلى أن ما يستحق البقاء لا يحتاج إلى ضجيج… بل إلى من يعرف كيف يحفظه..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :