رسالة الرئيس الشرع .. هل تُنهي إرث الافتئات على حقوق الأردن المائية؟
د. محمد بني سلامة
16-04-2026 08:09 PM
في لحظة سياسية لافتة، جاءت رسالة الرئيس السوري أحمد الشرع حول استعداد سوريا لتقاسم مواردها المائية مع المملكة الأردنية الهاشمية، لتفتح بابًا واسعًا أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام تحول حقيقي ينهي عقودًا من التجاوز على حقوق الأردن المائية، أم مجرد مبادرة عابرة لا تلبث أن تتبدد مع تغير الظروف السياسية والإقليمية؟
لا شك أن هذه الرسالة، التي نقلها وزير الخارجية السوري إلى نظيره الأردني، تعكس نبرة مختلفة وإشارات إيجابية نحو إعادة بناء العلاقات الأردنية السورية على أسس التعاون والاحترام المتبادل. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في مضمونها فقط، بل في قدرتها على معالجة إرث ثقيل من الافتئات والتعدي على حقوق الأردن المائية، الذي تراكم خلال سنوات طويلة في ظل حكم حزب البعث والنظام الأسدي البائد، وما رافقه من سياسات لم تُراعِ العدالة في تقاسم الموارد المشتركة.
فالأردن لا يعاني من شح مائي عابر أو أزمة مؤقتة، بل يرزح تحت واحدة من أقسى أزمات الفقر المائي عالميًا، ما يجعله ضمن أفقر ثلاث دول مائيًا في العالم. وهذا الواقع الصعب يجعل من كل قطرة ماء قضية سيادية بامتياز، تمس الأمن الوطني بشكل مباشر، وتؤثر في مختلف القطاعات الحيوية، من الزراعة إلى الصناعة، وصولًا إلى الاستقرار الاجتماعي والمعيشي للمواطنين.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعاطي مع أي مبادرة مائية إلا بمنطق الحقوق الثابتة، لا المجاملات السياسية أو التصريحات الإعلامية التي قد تحمل طابعًا دبلوماسيًا أكثر منه التزامًا عمليًا. فالمياه، بطبيعتها، مورد استراتيجي لا يحتمل الغموض أو التأجيل، بل يحتاج إلى وضوح في الاتفاقات، ودقة في التنفيذ، وضمانات قانونية تحمي الحقوق من أي انتقاص مستقبلي.
لقد شهدت العقود الماضية، خصوصًا في ظل النظام السوري السابق، تجاوزات واضحة على الاتفاقيات المائية، تمثلت في بناء سدود، وتحويل مجاري المياه، وإنشاء الآبار الارتوازية بشكل أضرّ بحصة الأردن المائية، وأخلّ بالتوازن الطبيعي للموارد المشتركة. وهو ما يُعد افتئاتًا صريحًا على حقوقه المائية، لا يمكن تجاهله أو القفز عنه عند الحديث عن أي تفاهمات جديدة. هذه الوقائع ليست مجرد خلافات فنية عابرة، بل هي مسألة عدالة مائية مؤجلة، تتطلب معالجة جادة وشاملة.
ومن هنا، فإن أي اتفاق قادم يجب أن يتجاوز فكرة “التقاسم” بمعناها الضيق، ليشمل تصحيحًا تاريخيًا يعيد للأردن ما حُرم منه على مدى أكثر من نصف قرن. فاستعادة التوازن لا تتحقق فقط بتوزيع الحصص الحالية، بل بالاعتراف الصريح بالخلل السابق، والعمل على معالجته بآليات عادلة وملزمة، تأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي لحقت بالأردن نتيجة تلك السياسات.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في هذه المعادلة، حيث تحمّل الأردن، على مدار سنوات الأزمة السورية، عبئًا كبيرًا باستضافته مئات الآلاف من الأشقاء السوريين، لما يقارب عقدين من الزمن. وقد شكّل ذلك ضغطًا هائلًا على موارده المحدودة، وفي مقدمتها المياه، التي تُعد أصلًا من أكثر الموارد ندرة في المملكة. هذا الواقع يفرض أن تكون أي ترتيبات مستقبلية شاملة، تأخذ بعين الاعتبار هذا الدور الإنساني الكبير، وتُترجمه إلى التزامات عملية تعزز من قدرة الأردن على مواجهة تحدياته المائية.
إن المرحلة القادمة تتطلب أكثر من نوايا حسنة أو تصريحات إيجابية؛ إنها تحتاج إلى اتفاقيات واضحة، مكتوبة، وملزمة قانونيًا، تُحدد الحقوق بدقة، وتُنشئ آليات رقابة فعّالة تضمن التنفيذ، وتمنع تكرار ما حدث في الماضي من تجاوزات أو افتئات. كما تتطلب إرادة سياسية حقيقية من الطرفين لترسيخ مبدأ العدالة في تقاسم الموارد، بعيدًا عن أي حسابات ضيقة أو آنية.
في المحصلة، تمثل هذه التصريحات فرصة حقيقية لإعادة تصويب المسار، لكنها في الوقت ذاته اختبار لإرادة سياسية جديدة: هل تُطوى صفحة الافتئات على حقوق الأردن المائية التي ارتبطت بعقود من حكم النظام الأسدي البائد، أم أنها ستستمر بصيغ مختلفة وتحت عناوين جديدة؟
الأردن لا يطلب سوى حقه المشروع، ولا يسعى إلا إلى تثبيت ما كفلته له القوانين والاتفاقيات الدولية. ولا يمكن أن يقبل باستمرار أي شكل من أشكال الانتقاص من هذه الحقوق، مهما كانت المبررات. وبين الوعود والحقوق، تبقى العدالة هي الفيصل… وهي وحدها القادرة على تحويل هذه المبادرة إلى نقطة تحوّل تاريخية تُنهي زمن التجاوز، وتؤسس لشراكة حقيقية قائمة على الإنصاف والاستدامة، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويعزز استقرار المنطقة بأسرها.