عيد العلم الأردني… حين تختصر الألوان وطنًا.
د. عبدالحفيظ العجلوني
17-04-2026 12:10 AM
في كل عام، يحتفي الأردنيون بـ عيد العلم الأردني، لا بوصفه مناسبة رمزية عابرة، بل باعتباره لحظة استحضار لمعنى أعمق من مجرد رفع لراية أو تزيين لشوارع. فالعلم ليس قطعة قماش ترفرف في الهواء، بل خلاصة حكاية وطن، وعنوان هوية جامعة، وعهدٌ يتجدّد بين الدولة ومواطنيها.
إن الأردن، الذي نشأ على فكرة الدولة العربية الجامعة لا الدولة المنغلقة، يجد في عَلَمِهِ تعبيرًا صادقًا عن هذه الفكرة. فحين يلتف الأردنيون حول علمهم، فإنهم لا يلتفون حول لونٍ أو شكل، بل حول معنى الانتماء الذي يتجاوز كل الفوارق: الجغرافيا، والأصل، والانتماءات الفرعية. هنا، يصبح العلم مرجعية عليا، تعلو على كل مرجعية، وتوحّد ما قد تفرّقه التفاصيل.
العلم، في هذا السياق، ليس مجرد رمز للدولة، بل اختزالٌ لمعنى الهوية الوطنية الجامعة؛ تلك الهوية التي لا تُبنى على إقصاء أو تمييز، بل على إدماجٍ واعٍ لكل مكونات المجتمع. ومن هنا، فإن دلالته تتجاوز الشكل إلى الجوهر: وحدة المواطنين، وتماسكهم، والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية ومصلحتهم الوطنية، بعيدًا عن أي انتماءات جهوية أو دينية أو عرقية قد تُضعف النسيج الوطني إن طغت على حساب الانتماء الأكبر.
وفي زمن تتكاثر فيه الهويات الفرعية، وتتصاعد فيه النزعات الضيقة في أكثر من مكان في العالم، تكتسب رمزية العلم دلالة مضاعفة؛ فهو ليس تعبيرًا عن السيادة فحسب، بل صمّام أمانٍ مجتمعي، يذكّر الجميع بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرّقهم، وأن الدولة، في جوهرها، عقدٌ جامع لا ساحة صراع بين الهويات.
كما أن للعلم بعدًا تاريخيًا لا يمكن إغفاله، فهو امتداد لذاكرة وطنية تشكّلت عبر التضحيات والبناء المتراكم. فكلما ارتفعت راية العلم عاليًا، استُحضرت معها تلك المسيرة التي شارك فيها الأردنيون على اختلاف أصولهم ومشاربهم، ليصوغوا معًا نموذجًا في ترسيخ الاستقرار والتماسك، والأمن والأمان، في محيطٍ مضطرب.
غير أن الاحتفاء بالعلم لا يكتمل بالشعارات أو المظاهر وحدها، بل يتجسّد في السلوك اليومي الذي يعكس احترام القانون، والالتزام بالمسؤولية، والعمل من أجل المصلحة العامة. فالعلم، في نهاية المطاف، ليس ما نرفعه على الساريات فحسب، بل ما نرفعه في وعينا وسلوكنا وانتمائنا.
في عيد العلم، يتجدّد السؤال بصيغة مختلفة: كيف نحافظ على هذا المعنى حيًّا؟ والإجابة لا تكمن في الكلمات، بل في ترسيخ فكرة أن الهوية الوطنية ليست خيارًا بين خيارات، بل هي الإطار الذي يحفظ الجميع، ويمنحهم القدرة على العيش المشترك تحت راية واحدة.
وهكذا، يظل العلم أكثر من رمز؛ إنه معنى انتماء لوطنٍ يتجدّد، وولاء لقيادة حكيمة، وعهدُ وحدةٍ لا ينبغي أن ينكسر.