يوم العلم .. بين الرمز والوجدان
السفير د. موفق العجلوني
18-04-2026 08:55 AM
يومُ العلمِ في الاردن الحبيب ليس مجرد مناسبة وطنية عابرة، بل هو تجسيدٌ حيّ لمعاني الانتماء والولاء، واستحضارٌ عميق لجذور الهوية الممتدة إلى إرث الثورة العربية الكبرى. ففي هذا اليوم، تتوحد القلوب قبل الأيادي، ويرتفع العلم الأردني خفّاقاً في سماء الوطن و في ارجاء الوطن ، حاملاً رسالة العروبة والإسلام والإنسانية.
إن رفع العلم من قبل جلالة الملك، ومشاركة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، يؤكد أن هذا الرمز ليس مجرد راية، بل هو الرابط الجامع الذي يوحّد الأردنيين تحت مظلة واحدة، عنوانها وحدة المصير وتماسك النسيج الوطني. فالعلم ليس ألواناً تُرفع، بل قصة وطن تُروى، وذاكرة أمة تُستعاد.
ومن هذا المعنى، تبرز إضاءات لافتة من مقال فارس العجلوني، “ المنشور على عمون الغراء بتاريخ 29/5/2000 بعنوان وقفه مع البيرق الاردني “ , عندما عاد من دراسته في لندن ايام جاىحة كورونا ، و كنت برفقته ، حيث تم حجرنا في فندق ماريوت مقابل وزارة المالية ، مدة ١٧ يوماً حيث قدّم فارس صورة مختلفة لعلاقة الأردني بعلمه، صورة تتجلى في التفاصيل اليومية لا في المناسبات فقط. ففي ذروة الابحار التي فرضتها جائحة كورونا، لم يكن المشهد الخارجي مجرد مبانٍ صامتة، بل كان العلم الأردني حاضراً بقوة، يرفرف على واجهات وزارة المياه والري، محاطاً بمئات البيارق التي تملأ المكان حياةً وحركة.
هذا الحضور الكثيف للعلم، كما وصفه فارس ، لم يكن تزييناً شكلياً، بل حالة شعورية؛ إذ تحوّل البيرق إلى مصدر دفءٍ نفسي، يكسر عزلة الحجر، ويبدد شعور الغربة. فمشهد العلم وهو يعلو بثبات، كان كفيلاً بأن يعيد التوازن للروح، ويمنح الإحساس بأن الوطن حاضر، حتى في لحظات الانقطاع.
كما يلفت حديث فارس إلى بعدٍ آخر مهم، وهو أن العلاقة مع العلم ليست رسمية فقط، بل وجدانية عميقة. فالأغاني التي ارتبطت بالبيرق، والهتافات التي تستحضر رمزيته، تعكس كيف أصبح العلم جزءاً من الذاكرة الجمعية، ومن التعبير الشعبي الصادق عن الحب والانتماء. هنا، يتحول العلم من رمز صامت إلى كائن حيّ، يشارك الناس أفراحهم ويختزن مشاعرهم.
وتحمل ألوان العلم الأردني دلالات تاريخية وحضارية ممتدة، فهي انعكاس لراية الثورة العربية الكبرى، وتجسيد لمراحل من التاريخ العربي والإسلامي، فيما تتوسطها النجمة السباعية التي ترمز إلى القيم والمبادئ التي يقوم عليها الوطن. وبهذا، يصبح العلم رسالةً تتجاوز الشكل، لتعبّر عن منظومة قيم متكاملة، قوامها الكرامة والوحدة والإنسانية.
وفي يوم العلم، تتحول مؤسسات الدولة، ومدارسها، وجامعاتها، وساحاتها العامة، و شوارعها ، إلى فضاءات احتفاء، يلتقي فيها الأردنيون على اختلاف مواقعهم، ليؤكدوا أن هذا البيرق هو القاسم المشترك الذي لا يختلفون عليه. وهو ما أشار إليه فارس ضمناً، حين أبرز كيف يمكن لمبادرة واحدة، كرفع الأعلام بكثافة، أن تصنع حالة وطنية جامعة تتجاوز الظروف.
إن يوم العلم الأردني ليس مجرد احتفال، بل هو تذكير متجدد بأن هذا الوطن يُختصر في رمزه، وأن العلم سيبقى عالياً، لا تحمله الساريات فقط، بل تحمله القلوب.
هو بيرقٌ يروي الحكاية… ويختصر الوطن.
* المدير العامً - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
[email protected]