بين الدعاية والواقع .. على ماذا تحتفل إيران؟
د. عبدالحفيظ العجلوني
18-04-2026 10:28 AM
ليس سؤال الاحتفال في الحالة الإيرانية مجرد استفسار عابر، بل مدخل حقيقي لاستكشاف الفجوة المتسارعة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فبينما تعلن طهران عن "انتصارات" و"إنجازات"، يبرز سؤال مشروع: ما الذي تحقق فعلًا على أرض الواقع، وما الذي يُعاد إنتاجه إعلاميًا؟
انتهجت إيران سياسات إقليمية اتسمت بالتصعيد والمخاطرة؛ تمثلت في الإصرار على المضي في برنامجها النووي، والانخراط في صراعات بالوكالة، والسعي إلى توسيع نفوذها الإقليمي. كما لوّحت باستخدام أوراق ضغط استراتيجية، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، -بل إغلاقه- وما رافق ذلك من اضطراب في حركة الملاحة الدولية وارتفاع في أقساط التأمين وأسعار الطاقة، في محاولة لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض معادلات جديدة في الإقليم.
غير أن مسار الأحداث كشف عن مفارقة لافتة؛ إذ انتهت هذه السياسات إلى تراجعات ملموسة. فبعد سنوات من التشدد في الملف النووي، وبعد المواجهة الأخيرة، ًالتي انتهت مؤخرا بحصار الموانىء الإيرانية، وأفضت إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، برزت مؤشرات على استعداد طهران للانخراط في تفاهمات قد تصل إلى تقليص برنامجها النووي وإعادة ترتيب أولوياته، وتداولت تقارير عن ترتيبات تتعلق بمصير مخزون اليورانيوم وتحدثت عن إمكانية تسليمه. تراجعت التهديدات الإيرانية، وحلّ مكانها خطاب يؤكد على استقرار الملاحة وحرية المرور، وكأن الأزمة لم تكن.
هذه التحولات لم تأتِ مجاناً، بل في سياق كلفة استراتيجية مرتفعة؛ تمثلت في استنزاف عسكري واقتصادي لإيران، وخسائر بشرية فادحة طالت قادة كبارًا، وتآكلًا في القدرات العسكرية والبنية التحتية الحيوية. وتزامن ذلك مع جرّ إيران لحليفها "حزب الله" إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، دفعت فيها الساحة اللبنانية أثمانًا لا تُحصى: من دمار واسع في الجنوب طال قرى بأكملها، إلى أضرار جسيمة في الضاحية الجنوبية لبيروت وغيرها، وصولًا إلى تداعيات إنسانية وخسائر بشرية واقتصادية عميقة أغرقت لبنان في أزمة فوق أزماته، وأقحمته في صراع لم يكن طرفًا فيه، لكنه دفع فاتورته كاملة.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في السردية الإيرانية؛ فبدلًا من تقديم مراجعة صريحة لهذه التحولات — التراجع عن التهديدات، تقليص الطموحات النووية، تحمّل خسائر فادحة، وجر حليف إلى حرب مدمرة — يُعاد تسويق كل ذلك في الخطاب الرسمي بوصفه "مرونة تكتيكية" أو "إعادة تموضع ناجحة"، بل وأحيانًا كإنجاز استراتيجي يستحق الاحتفاء والتصفيق. غير أن الفارق بين التكيف الاضطراري والإنجاز الحقيقي يظل واضحًا عند قراءة النتائج على الأرض، بالرغم من ترديد الشعارات.
فالشعوب قد تتحمل الأزمات حين تكون الرؤية واضحة والتقييم صادقًا، لكن تحويل التراجعات -بل والخسائر الفادحة والدمار الذي لحق بالآخرين- إلى انتصارات لفظية، قد يمنح مكسبًا دعائيًا مؤقتًا للداخل، لكنه لا يغيّر شيئًا من حقائق الواقع، ولا يقلل من كلفة الخيارات، ولا يعيد بناء ما تهدم.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري مفتوحًا ومؤرقًا: إذا كانت هذه السياسات قد انتهت إلى تقليص سقف الطموحات النووية، وخفض منسوب التهديد في مضيق هرمز، وتكبيد الحليف اللبناني دمارًا شبه كامل في الجنوب والضاحية والبقاع، بعد كل هذه الكلف العسكرية والاقتصادية والبشرية — فما الذي تحقق فعلًا حتى يُحتفى به بوصفه نصرًا؟
بين الدعاية والواقع، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، ليس لإيران وحدها، بل للبنان والمنطقة بأسرها.