"الصعود إلى عين سلطان" عمل سردي يتجاوز حدود الحكاية
19-04-2026 03:21 PM
عمون - من رزان الرابي - تُعد رواية الصعود إلى عين سلطان عملًا سرديًا يحمل في جوهره رؤية فكرية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، لتتحول إلى تجربة إنسانية متكاملة تتقاطع فيها الجغرافيا مع النفس، والمكان مع الوعي، والصعود المادي مع التحول الداخلي العميق.
ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن الكاتب مصطفى القرنه لا يكتب رواية تُقرأ لمجرد تتبع الأحداث، بل يكتب نصًا يُعاش ببطء، ويُستشعر قبل أن يُفهم، ويترك أثره في القارئ بعد الانتهاء منه كما لو أنه تجربة شخصية مرّت عبر الذاكرة لا مجرد كلمات على الورق. هذا النوع من الكتابة لا يقوم على الحكاية وحدها، بل على بناء حالة شعورية ممتدة، تجعل القارئ جزءًا من الرحلة لا متلقيًا لها فقط، وكأن النص يطلب منه أن يصعد هو الآخر، لا إلى “عين سلطان” فقط، بل إلى طبقات أعمق من وعيه الداخلي.
تبدأ الرواية من فكرة الصعود، وهي فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في عمقها تحمل كثافة رمزية هائلة، إذ يتحول الصعود من فعل جسدي إلى حالة وجودية، ومن حركة في المكان إلى حركة في الذات. فكل خطوة في الطريق ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي انتقال في الإدراك، وكل مشهد في الطبيعة ليس مجرد وصف خارجي، بل مرآة لما يحدث في الداخل الإنساني. هنا تتجلى براعة الكاتب في تحويل الجغرافيا إلى لغة رمزية، تجعل الجبل ليس مجرد ارتفاع طبيعي، بل اختبارًا، والطريق ليس مجرد مسار، بل سؤالًا مفتوحًا عن معنى الوصول، والجهد، والغاية.
من الناحية السردية، تعتمد الرواية على بناء متدرج، يقوم على التراكم لا القفز، وعلى الكشف البطيء لا المفاجأة السريعة. هذا الاختيار الفني ليس مجرد تقنية، بل هو امتداد لفكرة الرواية نفسها؛ فكما أن الصعود لا يحدث دفعة واحدة، كذلك السرد لا يُكشف دفعة واحدة. القارئ يجد نفسه في حالة اقتراب تدريجي من المعنى، وكأن النص يختبر صبره وقدرته على التلقي العميق. هذا البطء المقصود يمنح الرواية طابعًا تأمليًا، ويجعلها أقرب إلى رحلة داخل الوعي منها إلى قصة ذات حبكة تقليدية.
الشخصيات في الرواية لا تُبنى بوصفها كائنات مكتملة الأبعاد منذ البداية، بل تظهر تدريجيًا عبر الحركة والتجربة والتفاعل مع المكان.
الشخصية الرئيسية تحديدًا تبدو وكأنها في حالة تشكل مستمر، فهي لا تمتلك إجابات جاهزة، بل تعيش حالة من البحث الدائم. وهذا ما يجعلها قريبة من القارئ، لأنها لا تقدم نموذجًا مثاليًا، بل تعكس هشاشة الإنسان في مواجهة الأسئلة الكبرى. الشخصية هنا ليست محورًا مغلقًا، بل نافذة مفتوحة على الداخل، وكل موقف تمر به يكشف طبقة جديدة من وعيها، وكأنها تُعاد كتابتها مع كل خطوة في الطريق.
أما المكان في الرواية، فهو أحد أهم عناصر القوة فيها، بل يمكن القول إنه يتحول إلى شخصية قائمة بذاتها. “عين سلطان” ليست مجرد وجهة، بل كيان حيّ يتفاعل مع الشخصيات، ويؤثر فيها، ويعيد تشكيلها. الجبال، المسارات، التضاريس، الصمت الممتد بين المشاهد، كلها عناصر لا تُستخدم كخلفية زخرفية، بل كجزء من البنية الدلالية للنص. المكان هنا ليس محايدًا، بل مشحون بالمعنى، وكأنه يختبر الإنسان بقدر ما يختبره الإنسان. هذا التفاعل بين الإنسان والمكان يخلق علاقة جدلية تجعل كل منهما يعكس الآخر، ويكشفه، ويعيد تعريفه.
لغة الكاتب في هذه الرواية تمثل عنصرًا جماليًا بارزًا، فهي لغة تميل إلى الصفاء والهدوء، لكنها في الوقت ذاته تحمل عمقًا داخليًا واضحًا. لا نجد في النص تكلفًا لغويًا أو استعراضًا بلاغيًا زائدًا، بل نجد حرصًا على أن تكون الجملة وسيلة لنقل الإحساس قبل أن تكون وسيلة لنقل المعنى. الجملة عنده ليست مجرد تركيب نحوي، بل هي نبض داخلي، يتحرك بإيقاع محسوب، يجمع بين السلاسة والتأمل. وهذا ما يمنح النص قدرة على التغلغل في القارئ دون مقاومة، إذ يشعر أن اللغة لا تُفرض عليه، بل تقوده بهدوء نحو المعنى.
ومن السمات اللافتة أيضًا في أسلوب مصطفى القرنه قدرته على خلق صور أدبية تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى التلميح أكثر من التفسير المباشر. فالمشهد لا يُشرح، بل يُترك ليتشكل في ذهن القارئ، وهذا يمنح النص مساحة من المشاركة الإبداعية، حيث لا يكون القارئ متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في بناء الصورة. هذا النوع من الكتابة يتطلب ثقة عالية بالقارئ، وثقة أكبر باللغة، لأن الكاتب يتخلى عن السيطرة الكاملة على المعنى لصالح تعدد التأويل.
الزمن في الرواية لا يسير بشكل خطي واضح، بل يتداخل بين الماضي والحاضر في حركة دائرية أو متشابكة، تعكس طبيعة الذاكرة الإنسانية. فالأحداث لا تُروى كوقائع منفصلة، بل كطبقات من التجربة، حيث يعود الماضي ليؤثر في الحاضر، ويعيد تشكيله، ويمنحه دلالات جديدة. هذا التداخل الزمني يمنح الرواية عمقًا نفسيًا، ويجعلها أقرب إلى تجربة الوعي البشري، الذي لا يعيش اللحظة منفصلة عن ما سبقها وما قد يليها.
الحوار في الرواية يأتي في الغالب امتدادًا للسرد وليس قطيعة معه، فهو لا يهدف إلى تبادل المعلومات فقط، بل إلى الكشف عن الداخل النفسي للشخصيات. أحيانًا يبدو الحوار وكأنه صوت داخلي خرج إلى السطح، مما يخلق تماهيًا بين السرد والحوار، ويعزز الطابع التأملي للنص. ورغم أن هذا الأسلوب يحدّ من تنوع الأصوات أحيانًا، إلا أنه يخدم رؤية الرواية العامة التي تميل إلى التركيز على الداخل أكثر من الخارج.
من الناحية الفكرية، تحمل الرواية أسئلة فلسفية عميقة تتعلق بالمعنى، والغاية، والرحلة الإنسانية ذاتها. فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك الأسئلة مفتوحة، وكأن الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة، بل الاقتراب منها. هذا الانفتاح على التأويل يجعل الرواية نصًا قابلًا للقراءة المتكررة، لأن كل قراءة تكشف طبقة جديدة من المعنى، وكل قارئ يجد فيها ما يتناسب مع تجربته الخاصة.
كما أن الرواية تنجح في خلق توازن دقيق بين السكون والحركة، بين الوصف والتأمل، بين الحدث والانطباع. هذا التوازن ليس سهلًا في الكتابة السردية، لأنه يتطلب حسًا إيقاعيًا عاليًا، وقدرة على التحكم في تدفق النص دون فقدان انسجامه. وفي كثير من المقاطع، يظهر هذا التوازن بوضوح، حيث تتداخل الحركة الخارجية مع التأمل الداخلي في انسجام جميل.
ومع ذلك، يمكن من زاوية نقدية موضوعية الإشارة إلى بعض النقاط التي قد تشكل فرصًا للتطوير. فبعض المقاطع تميل إلى الإطالة التأملية، مما قد يؤدي إلى تباطؤ في الإيقاع السردي. كما أن الاعتماد الكبير على الصوت الداخلي قد يقلل أحيانًا من تنوع المشاهد الخارجية. كذلك، بعض الشخصيات الثانوية كان يمكن منحها مساحة أوسع لتوسيع العالم الروائي وإضافة مزيد من التعدد في الرؤية.
لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العامة للعمل، بل تؤكد أنه نص حيّ في حالة تطور، وليس نصًا جامدًا مكتملًا بشكل نهائي.
فالرواية في جوهرها تحمل مشروعًا واضحًا، وهذا المشروع يقوم على تحويل التجربة الإنسانية إلى رحلة تأملية في الوجود، وهو مشروع يحتاج إلى وقت ومساحة للنضج المستمر.
إن القيمة الحقيقية في رواية الصعود إلى عين سلطان تكمن في قدرتها على تحويل البسيط إلى عميق، واليومي إلى رمزي، والمكان إلى تجربة شعورية. فهي ليست رواية عن طريق يصعده الإنسان فقط، بل عن الإنسان الذي يصعد نفسه من خلال الطريق. وهذا التحول هو جوهر العمل، وهو ما يمنحه خصوصيته في المشهد السردي.
وفي النهاية، يمكن القول إن مصطفى القرنه يقدم من خلال هذه الرواية صوتًا أدبيًا يمتلك وعيًا واضحًا باللغة، وحسًا تأمليًا عميقًا، وقدرة على بناء نص يتجاوز الحكاية إلى المعنى. إنه كاتب لا يركض خلف الحدث، بل خلف الأثر، ولا يسعى إلى الإبهار اللحظي، بل إلى بناء تجربة قراءة تبقى في الذاكرة بعد انتهاء النص. وهذه من أهم سمات الكتابة التي تسعى إلى الديمومة لا اللحظة، وإلى التأثير لا الاستهلاك السريع.
وهكذا تبقى الرواية عملًا يستحق القراءة المتأنية، لأنها لا تُقدّم نفسها دفعة واحدة، بل تكشف نفسها ببطء، كما تكشف الجبال أسرارها لمن يواصل الصعود.