facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الناقل الوطني للمياه .. بين حلم الإنقاذ وتحدي الكلفة الثقيلة


د. محمد بني سلامة
23-04-2026 12:12 AM

في الأردن، حيث تتحول قطرة الماء إلى مسألة وجود لا تقبل التأجيل، يبرز مشروع “الناقل الوطني للمياه” كواحد من أخطر وأهم القرارات الاستراتيجية في تاريخ الدولة الحديثة. نحن لا نتحدث عن مشروع خدماتي عابر، بل عن رهان وطني بحجم المستقبل، وقرار سيحدد شكل الاقتصاد واستقرار المجتمع لعقود قادمة. إنها لحظة مفصلية: إما أن نحسن إدارتها فنصنع تحولاً تاريخياً، أو نخطئ فنضيف عبئاً جديداً إلى كاهل دولة تعاني أصلاً من ضيق الموارد.

جوهر المشروع يقوم على فكرة تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها شديدة التعقيد: تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، ثم ضخها عبر مئات الكيلومترات إلى مختلف محافظات المملكة. هذا ليس مجرد خط ناقل، بل منظومة هندسية هائلة تتحدى الطبيعة، إذ يتطلب رفع المياه إلى ارتفاعات شاهقة تتجاوز الألف متر. إنه إنجاز تقني لافت، يضع الأردن في مصاف الدول التي استطاعت تحويل التحديات الجغرافية إلى فرص.

لكن، وبين الإعجاب الهندسي والواقع الاقتصادي، تقف أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاهلها. نعم، المشروع سيؤمّن نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وسيخفف من معاناة المواطنين، ويعزز استقرار القطاعات الحيوية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس كم سننتج من المياه، بل من سيدفع ثمنها، وكيف سيتم تمويل هذا العبء المستمر؟

الأرقام هنا لا تحتمل التجميل. فالعجز السنوي المتوقع يتجاوز 378 مليون دينار، وهو رقم كفيل بإثارة القلق لا الاطمئنان. هذا العجز لن يتبخر، بل سيتحول إلى التزام مالي دائم، إما عبر الضرائب التي تثقل كاهل المواطن، أو عبر الاقتراض الذي يراكم الديون، أو عبر مزيج منهما. وفي كل السيناريوهات، المواطن هو الحلقة الأضعف التي ستتحمل الكلفة، سواء ظهرت مباشرة في الفواتير أو تسللت عبر تضخم الدين العام وتبعاته.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في كلفة المشروع بحد ذاتها، بل في غياب رؤية اقتصادية متكاملة لإدارته. لا يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يُدار بعقلية الدعم المفتوح، لأن هذا النهج ثبت فشله وكلفته الباهظة في تجارب سابقة. إن أي تسعير لا يعكس الكلفة الحقيقية يخلق سلوكاً استهلاكياً مشوهاً، ويحوّل المورد النادر إلى سلعة مستباحة، ويجعل الخزينة العامة رهينة لنفقات لا يمكن السيطرة عليها.

إن تكرار هذا النهج في قطاع المياه سيكون خطأً فادحاً. فالمياه ليست خدمة قابلة للهدر، بل مورد استراتيجي يجب أن يُدار بحزم وعدالة. التسعير غير المنضبط لا يحقق العدالة الاجتماعية، بل يعمّقها بشكل معكوس، حيث يستفيد أصحاب الاستهلاك المرتفع على حساب المال العام، بينما تتحمل الدولة، ومن خلفها الأجيال القادمة، كلفة هذا الخلل. وعندها، لا يكون العجز مجرد رقم، بل يتحول إلى أزمة مالية تضيق معها خيارات الدولة وتضعف قدرتها على الاستثمار في المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف يمكن أن يُدار مشروع بهذا الحجم دون الالتزام بأبسط القواعد الاقتصادية؟ إن تجاهل العلاقة بين السعر والكلفة، وإهمال أدوات ضبط الطلب، لا يعكس فقط ضعفاً في التقدير، بل خللاً في التفكير الاقتصادي ذاته. والاستمرار في هذا المسار يعني إعادة إنتاج الأزمات التي عانى منها الاقتصاد الوطني في قطاعات أخرى، وكأننا لا نتعلم من دروس الماضي.

الطريق الصحيح ليس غامضاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية وجرأة في القرار. يبدأ ذلك بتبني تسعير عادل يعكس الكلفة الحقيقية، مع حماية واضحة للشرائح محدودة الدخل. تسعير شرائحي يحقق التوازن بين العدالة والكفاءة، ويضع حداً للهدر، ويضمن أن يدفع كل مستهلك ثمن استهلاكه الفعلي. إلى جانب ذلك، لا بد من شفافية كاملة في عرض الكلف والالتزامات، وربط أي تعديل في الأسعار بتحسن ملموس في كفاءة الإدارة وتقليل الفاقد.

إن “الناقل الوطني” ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة مواردها بعقلانية. يمكن أن يكون قصة نجاح تُروى للأجيال، أو عبئاً مالياً يتوارثه الأبناء. الفارق بين الخيارين لا تحدده الأنابيب ولا محطات التحلية، بل السياسات الاقتصادية التي ستقود هذا المشروع.

القرار اليوم ليس إن كنا بحاجة إلى المشروع، فالحاجة واضحة وملحة، بل كيف نديره، وكيف نمنع تحوله من حل إلى مشكلة. لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها، بل بقدرتها على إدارتها بكفاءة وعدالة. وفي هذا الاختبار، لا مجال للخطأ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :