حين يُذبح المعنى قبل الجسد…
صالح الشرّاب العبادي
27-04-2026 01:22 AM
ليست كل الجرائم سواء… فثمة جرائم تُرتكب ضد الإنسان، وأخرى تُرتكب ضد معنى الإنسان ذاته ، جريمة قتل الأطفال من قبل والدهم ، ليس مجرد جريمة قتل تهز الضمير، بل زلزال أخلاقي يضرب في عمق فكرة الأبوة، ويعيد طرح سؤال قديم جديد: ماذا تبقى من الإنسان حين يقتل أطفاله بدمٍ بارد؟
وهنا اقول ،مهما تعددت الأسباب وتراكمت المبررات، ومهما بلغت الضغوط حدّ الانفجار، فإن ذلك كلّه لا يمنح أي إنسان حق التعدّي على حياة طفل بريء؛ فالأطفال خارج حسابات الغضب، وأبعد من أن يكونوا وقودًا لصراعات الكبار أو ضحايا لاختلالات النفوس او المشاكل الاجتماعية . قتل الطفل ليس خطأً يُبرَّر، بل جريمة تسقط معها كل الذرائع، لأنه اعتداء على أصل الإنسانية قبل أن يكون اعتداءً على فردٍ ضعيف لا يملك إلا حقه في الحياة.
في لحظة واحدة، انهارت كل التعريفات البسيطة التي نحتمي بها: الأب حامٍ، البيت مأوى، والطفل أمانة. فإذا بها تتحول إلى نقيضها الكامل ، هنا لا نتحدث عن جريمة عادية تُفسَّر بدافعٍ أو خلافٍ عائلي، بل عن لحظة انكسار وجودي، حيث يسقط الإنسان من كونه إنسانًا إلى كائنٍ لا يمكن توصيفه بلغة العقل.
لكن الصدمة لا تقف عند حدود الحادثة… بل تمتد لتصطدم بمرآة أوسع ، حين ننظر إلى ما يجري في غزة، حيث يُقتل الأطفال تحت نيران الحروب من قبل قتلة الأطفال اصحاب الديمقراطيات المزيفة والحداثة المقنعح ، أو نستحضر تاريخًا مظلمًا جاهلاً مثل وأد البنات، ندرك أن المأساة تتكرر بأشكال مختلفة، لكن الضحية واحدة: البراءة.
وهنا يبرز الفارق الخطير:
فجريمة الفرد، على بشاعتها، تبقى سقوطًا شخصيًا في قاع الجنون أو القسوة، أما حين يصبح قتل الأطفال جزءًا من مشهدٍ متكرر، مبرَّر أو مُسوَّغ أو مُتجاهَل، فإننا أمام خلل أعمق… خلل في الضمير الجمعي.
السؤال لم يعد: من الأكثر بشاعة؟
بل: كيف أصبح الطفل الحلقة الأضعف في كل المعادلات؟
في الماضي، كان وأد البنات جريمة تُرتكب خوفًا من العار أو الفقر، فجاءت الرسالة السماوية لتجتثها وتعيد للإنسان إنسانيته ، أما اليوم، فنحن أمام صور أكثر تعقيدًا: طفل يُقتل بدافع الانتقام، وآخر يُقتل باسم الأمن والدفاع عن النفس ، وثالث يُقتل لأن العالم اعتاد المشهد حتى فقد حساسيته تجاهه ، ورابع تتشوه صورهم وتنتهك اعراضهم وتدنس براءتهم في عالم ( الأبيستين ) ، وخامس بدافع ومبرر المشاكل الاجتماعية والنفسية والمرضية وانحطاط القيم والاخلاق ،.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس الجريمة بحد ذاتها، بل قابليتنا المتزايدة لتفسيرها، لتبريرها، أو حتى للاعتياد عليها. حين يتحول الاستنكار إلى خبر عابر، والصدمة إلى منشور، نكون قد بدأنا نفقد شيئًا جوهريًا فينا.
ما حدث ليس حادثة معزولة، بل جرس إنذار. ليس لأن مثيله سيتكرر بالضرورة، بل لأن جذوره — من عنفٍ مكبوت، وضغوطٍ اجتماعية، وانهيارٍ نفسي — قد تكون كامنة في أكثر مما نتصور. والمجتمعات التي لا تراجع نفسها بعد الصدمات، غالبًا ما تعيشها مرة أخرى بصيغ مختلفة.
في ديننا السمح، ليست رعاية الأطفال خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل فريضة تُقاس بها إنسانية الفرد وصدق المجتمع؛ فقد جعل الإسلام حماية الصغير وتكريمه أصلًا من أصوله، وحرّم كل أذى يقع عليه، وعدّ الإحسان إليه بابًا من أبواب الرحمة التي تُنزل بركاتها على الأمة كلها. يكفي أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من لا يَرحم لا يُرحم»، ليجعل الرحمة بالصغار معيارًا للإيمان الحيّ، وأن ينهى عن كل ما يمسّ أمنهم وكرامتهم، فيقدّم نموذجًا حضاريًا يضع الطفل في دائرة الحماية لا الخطر، وفي موضع الرعاية لا الإهمال. فالأطفال في ميزان هذا الدين أمانةٌ عظيمة، وحفظهم حفظٌ لجوهر الإنسانية نفسها.
لا يبقى أمام هذا المشهد إلا الدعاء الذي خرج من قلوب الناس قبل كلماتهم:
“يا رب لطفك”…لكن الدعاء وحده لا يكفي، إن لم يرافقه وعي، ومراجعة، وإصرار على ألا يصبح هذا المشهد “طبيعيًا” في أي مكان، وتحت أي مبرر.
فالإنسانية لا تُقاس بتقدمها… بل بقدرتها على حماية أضعف أبنائها.