من القانون إلى الأرقام .. صندوق استثمارات أموال الضمان إلى أين؟!
محمود الدباس - أبو الليث
28-04-2026 11:43 AM
لم تعد المشكلة في الأرقام حين تكون واضحة.. بل في الطريقة التي تُقرأ بها.. وفي التوقيت الذي تُطرح فيه الأسئلة.. وفي الجهة التي تختار أن ترى نصف الحقيقة وتبني عليه قراراً كاملاً.. بينما النصف الآخر.. يُترك جانباً وكأنه لا يعني أحداً..
ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تدفع بقانونٍ أثار الشارع وأقلق الناس على مستقبل مدخراتهم.. كانت الأرقام الرسمية الصادرة عن صندوق استثمارات أموال الضمان تقول شيئاً مختلفاً تماماً.. تقول إن هناك مؤسسة تعمل.. لا تُنظّر.. بل تُراكم.. وتبني.. وتُدير المال بعقل استثماري لا بردّة فعل سياسية..
نحن لا نتحدث هنا عن وعود.. بل عن واقعٍ رقمي صريح.. موجودات تجاوزت 19.2 مليار دينار مع نهاية الربع الأول من عام 2026.. بعد أن كانت 18.7 مليار مع بداية العام.. أي نمو يتجاوز نصف مليار دينار خلال أشهر قليلة فقط.. بنسبة 2.8%.. رقم لا يمكن القفز فوقه.. ولا تفسيره على أنه مصادفة..
والأهم من ذلك.. أن هذا النمو لم يكن ورقياً.. بل مدعوماً بدخل شامل بلغ نحو 485.6 مليون دينار.. منها 252.7 مليون دينار صافي دخل فعلي من المحافظ الاستثمارية.. و232.9 مليون دينار ارتفاعاً في تقييم الأسهم الاستراتيجية.. أي أننا أمام إدارة تعرف كيف تُنتج المال.. لا فقط كيف تُحافظ عليه..
وحين نغوص أكثر.. نجد أن محفظة السندات وحدها حققت 164 مليون دينار.. والأسهم 50.7 مليون.. وأدوات السوق النقدي 28.7 مليون.. إلى جانب بقية المحافظ.. في صورة تعكس تنوعاً استثمارياً مدروساً.. لا مقامرة فيه.. ولا ارتجال..
أما التوزيعات النقدية.. فهي قصة أخرى.. حيث يُتوقع أن تتجاوز حصة الصندوق 200 مليون دينار هذا العام.. وهو رقم تاريخي غير مسبوق.. سيظهر أثره بشكل أكبر في الربع الثاني.. وكأن الصندوق لا يكتفي بالنمو.. بل يُحسن توقيت ثماره أيضاً..
وعلى مستوى التوزيع.. فإن 56.7% من الاستثمارات في السندات.. و20.7% في الأسهم.. و10.5% في أدوات السوق النقدي.. والبقية موزعة بين العقار والقروض والسياحة.. وهو ما يعكس فلسفة واضحة في إدارة المخاطر.. تقوم على التوازن.. لا المغامرة..
ثم نصل إلى المشاريع الاستراتيجية.. حيث لم يعد الصندوق مجرد متلقٍ للعوائد.. بل شريك في صناعة الاقتصاد.. بحصة 7% في مشروع سكة حديد العقبة.. و15% في مشروع الناقل الوطني للمياه.. إضافة إلى مساهمته في تمويل المشروع عبر تحالف البنوك.. أي أنه حاضر في مفاصل الدولة الاقتصادية.. لا على الهامش..
وهنا تحديداً.. يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.. إذا كانت هذه هي الأرقام.. وهذه هي المؤشرات.. وهذا هو الأداء الذي تحدث عنه رئيس مجلس استثمار أموال الضمان معالي د. عمر ملحس.. ورئيس الصندوق معالي د. عزالدين كناكرية.. في تصريحات رسمية واضحة.. فماذا كانت ترى الحكومة حين دفعت بقانونٍ أشعل الشارع؟!.. وعلى ماذا استندت في استعجالها؟!..
هل كانت المشكلة فعلاً في واقع الصندوق.. أم في قراءة هذا الواقع؟!.. وهل كان الخلل في الأرقام.. أم في التقدير السياسي الذي لم يُحسن الإصغاء لها؟!..
ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف وجهات نظر.. بل فجوة حقيقية بين أداء مؤسسة اقتصادية تعمل بثبات.. وقرار حكومي جاء متسرعاً.. فُهم على أنه تهديد لا إصلاح.. ولذلك لم يكن غريباً أن يُقابل برفض واسع.. ولا أن تضطر الحكومة لسحبه تحت ضغط الشارع..
المفارقة هنا.. أن الصندوق كان يُرسل رسالة طمأنة بالأرقام.. بينما كانت الحكومة.. وتحديدا وزير العمل.. يرسلون رسالة قلق بالقوانين.. وكأن الجهتين تعملان في اتجاهين متعاكسين.. رغم أن الهدف يفترض أن يكون واحداً..
ليس من العدل أن تُحمل مؤسسة ناجحة تبعات قرارات لم تصدر عنها.. وليس من الحكمة أن يُدار ملف بحجم الضمان الاجتماعي بعجلةٍ سياسية تتقدم على القراءة الاقتصادية.. لأن الثقة.. حين تهتز.. لا تُعاد بسهولة.. حتى لو كانت الأرقام في أفضل حالاتها..
ما يقدمه صندوق استثمارات أموال الضمان اليوم.. هو نموذج لما يجب أن تكون عليه الإدارة العامة حين تتحرر من الارتباك.. وتلتزم بالمنهج.. وما فعلته الحكومة في المقابل.. هو درس في أن التسرع.. مهما كانت نواياه.. قد يهدم أكثر مما يبني..
وبين هذا وذاك.. يقف المواطن.. لا يريد أكثر من شيء واحد.. أن تُدار أمواله بعقلٍ يطمئنه.. لا بقراراتٍ تفاجئه.. وأن يرى الانسجام بين ما يُقال بالأرقام.. وما يُطرح بالقوانين.. لا هذا في اتجاه.. وذاك في اتجاه آخر..
في وقت نعيشه.. تختلط فيه القرارات بالانطباعات.. تبقى الأرقام الصادقة وحدها.. كفيلة بأن تقول شكراً.. لكل يدٍ امتدت لتبني هذا الأثر.. من موقع القرار.. إلى تفاصيل التنفيذ.. ومن خلف المكاتب.. إلى خطوط العمل التي لا تُرى.. هناك حيث لا تُكتب الأسماء.. لكن تُصنع النتائج.. والتي لا ينكرها إلا حاقد.. ولا يتجاهلها إلا مشكك لأجل التشكيك..