facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين الهزيمة ومحاولات الإنقاذ .. كيف قُرئت فلسطين خطأً؟! ..


محمود الدباس - أبو الليث
30-04-2026 11:07 PM

عندما تُحاول أن تُمسك بالخيط الحقيقي لما جرى.. ستكتشف سريعاً أن القصة لم تكن يوماً حكاية طرف واحد.. ولا قرار واحد.. ولا حتى لحظة واحدة يمكن تعليق الهزيمة عليها.. بل كانت تراكمات.. بدأت قبل أن يفهم كثيرون أن ما يجري ليس نزاعاً محلياً.. بل مشروعاً دولياً يُبنى بهدوء.. ثم يُفرض دفعة واحدة..

في تلك السنوات.. لم تكن فلسطين دولة بالمعنى السياسي.. بل أرضاً ضمن نظام إداري هش.. ورثته الدولة العثمانية.. ثم انتقل إلى بريطانيا.. وفي هذا الفراغ.. تشكلت بنية اقتصادية مختلة.. حيث الأرض مملوكة لكبار ملاك بنظام إقطاعي.. لا لمن يفلحها.. وهذا ما فتح الباب أمام صفقات بيع.. بعضها تم بوعي.. وبعضها تم بعيداً عن إدراك النتائج.. كما تذكره بعض الدراسات التاريخية.. بينما كانت الوكالة اليهودية تعمل بعقل مؤسساتي طويل النفس.. تشتري.. وتخطط.. وتبني.. تحت مظلة دولية آخذة في التشكل..

ولم يكن هذا التشكل معزولاً عن لحظة دولية أوسع..
فالعالم الخارج من الحرب العالمية الثانية.. كان يُعاد ترتيبه من جديد.. والقرارات الكبرى لم تعد تُصاغ في حدود الجغرافيا المحلية.. بل في مراكز قوة بعيدة.. وهنا تحديداً يمكن فهم أثر وعد بلفور.. لا كنص تاريخي عابر.. بل كمسار سياسي استمر تنفيذه حتى تغيّر ميزان الأرض بالكامل..

وفي الداخل الفلسطيني.. لم يكن المشهد موحداً..
التنافس بين بيوت النفوذ.. مثل عائلة الحسيني وعائلة النشاشيبي.. لم يكن مجرد خلاف عابر.. بل انعكس على القرار السياسي.. وعلى القدرة على بناء قيادة موحدة.. لكن من المهم هنا إدراك.. كما تُشير بعض القراءات.. أن هذا الانقسام لم ينشأ في فراغ.. ولم يكن سبباً مستقلاً بقدر ما كان نتيجة لبيئة مضغوطة تحت الانتداب.. حيث أُعيد تشكيل البُنى السياسية والاجتماعية بطريقة تُضعف التماسك الداخلي.. وتفتح المجال أمام استثمار أي تباين قائم.. وفي لحظة كان المطلوب فيها جبهة واحدة.. كان الواقع يقول إن هناك أكثر من اتجاه.. لا لأن الفلسطينيين اختاروا التشتت.. بل لأن شروط التوحّد نفسها لم تكن مكتملة في ظل واقع يُدار من خارجهم..

أما الإطار العربي الأوسع.. فكان يخرج من عباءة الاستعمار.. بلا أدوات كافية.. ولا مشروع موحد..
جامعة الدول العربية وُلدت حديثاً.. والدول التي شكلتها كانت لا تزال في طور تثبيت نفسها.. عسكرياً واقتصادياً.. ولهذا جاءت الاستجابة لفلسطين.. متأخرة.. ومجزأة.. وأحياناً أقرب إلى رد الفعل منها إلى الفعل المدروس..

وفي هذا التناقض تحديداً.. بين شارع ممتلئ بالحماسة.. وواقع سياسي وعسكري محدود الإمكانيات.. تشكّلت صدمة 1948..
حيث لم تكن المشكلة في غياب الرغبة.. بقدر ما كانت في غياب القدرة على ترجمتها إلى فعل منظم.. وهذه الفجوة.. كانت واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تشكيل الوعي العربي لاحقاً..

وفي قلب هذا المشهد.. يظهر دور الملك عبدالله الأول بن الحسين..
لا بوصفه بطلاً مطلقاً.. ولا بوصفه متهماً جاهزاً.. بل كفاعل سياسي يتحرك داخل شبكة معقدة من القيود..

قراءته المبكرة لما يجري.. ومحاولاته التواصل مع الطرف الآخر.. يمكن فهمها كإدراك بأن المشروع الصهيوني لم يعد فكرة.. بل واقعاً يتشكل بدعم دولي.. وأن تجاهله لن يلغيه.. بل سيجعله أكثر قسوة حين يفرض نفسه..

وفي هذا السياق تحديداً.. يمكن فهم.. كما ترى بعض القراءات السياسية.. اللقاء الذي جمع الملك عبدالله الأول بن الحسين مع غولدا مائير.. والذي تحدث عنه بكل وضوح في مذكراته.. لا كخروج عن المسار.. ولا كتنسيق على حساب القضية.. بل كجزء من محاولة استكشاف ما يجري خلف الكواليس الدولية.. في وقت كانت فيه القرارات الكبرى تُصاغ بعيداً عن العلن.. مثل هذه اللقاءات.. في سياقها التاريخي.. لم تكن استثناءً في عالم السياسة.. بل أداة لفهم موازين القوى ومحاولة التأثير فيها.. حتى وإن كانت هوامش التأثير محدودة..

فطرح حكم ذاتي لليهود.. لم يكن اعترافاً بدولة.. بقدر ما كان محاولة لإعادة تعريف الوجود.. إذ أن اليهود في المنطقة.. لم يكونوا طارئين بالكامل.. بل كانوا جزءاً من نسيج عاش قروناً في مدن مثل العراق ومصر وحتى فلسطين.. دون أن يتحول ذلك الوجود إلى كيان سيادي منفصل..

لكن التحول الحقيقي.. لم يكن في الوجود.. بل في المشروع الذي يحمله..
فبين مجتمع يمكن أن يندمج.. ومشروع يسعى لأن يحكم ويقصي الآخر.. كانت المسافة تتسع بسرعة.. وهنا يمكن قراءة ذلك الطرح.. كمحاولة لاحتواء التحول.. قبل أن يكتمل.. لا كقبول به بعد أن يُفرض..
والمفارقة التي يفرضها الحاضر.. أن ما آلت إليه الأمور لاحقاً.. يكاد يكون أقرب إلى السيناريو الذي كان يُخشى منه.. لا الذي كان يُراد تجنبه..

هنا تظهر فكرة الاحتواء.. لا كتنازل بالضرورة.. بل كخيار بين سيناريوهين..
إما صدام شامل دون قدرة حقيقية على الحسم.. أو محاولة إعادة رسم ما يمكن رسمه.. قبل أن تُرسم الحدود بالكامل.. دون أي حضور عربي فعلي..

وعندما دخل الجيش العربي الحرب.. لم يدخل إلى ساحة متكافئة.. بل إلى واقع سبقته إليه قوى منظمة.. وسلاح أفضل.. ودعم دولي أوضح..

ومع ذلك.. استطاع أن يثبت وجوداً عسكرياً حقيقياً.. وأن يمنع سقوط مناطق كانت ستُحسم بالكامل لولا ذلك.. وهذه ليست رواية تمجيد.. بل نتيجة يقر بها حتى خصوم تلك المرحلة..

لكن.. هل يعني كل ذلك أن الهاشميين بلا مسؤولية؟!..
هنا يجب أن نكون دقيقين..
ليس من الإنصاف تحميلهم ضياع فلسطين.. لأن ما جرى أكبر بكثير من قدرة طرف واحد على منعه..
وفي الوقت ذاته.. ليس دقيقاً تصوير دورهم كخطة إنقاذ مكتملة.. لأن النتائج النهائية لم تكن إنقاذاً.. بقدر ما كانت تقليصاً للخسارة.. ضمن واقع فرضته موازين قوى أكبر مما لديهم.. ولا ننسى قلة.. أو انعدام الدعم لهم..

وربما الأعمق من كل ذلك.. أن جزءاً من الإشكال في قراءة ما حدث.. لا يكمن فقط في الوقائع نفسها.. بل في الطريقة التي نعيد بها سردها..
كيف نبحث دائماً عن متهم واحد.. لأن تعدد الأسباب يُرهقنا.. وكيف نميل إلى قصة واضحة.. حتى لو كانت أقل دقة.. على حساب واقع معقد لا يمنحنا راحة الاتهام السريع..

السردية الأكثر صدقاً.. ليست تلك التي تُبرئ بالكامل.. ولا تلك التي تُدين بالكامل..
بل التي تقول إن فلسطين ضاعت في لحظة اختلال تاريخي شامل..
فيها بيع أرض.. نعم..
وفيها انقسام داخلي.. نعم..
وفيها ضعف عربي.. نعم..
وفيها مشروع صهيوني مدعوم دولياً.. نعم..
وفيها أيضاً قرارات سياسية.. بعضها كان يحاول أن يناور داخل المستحيل.. لا أن يصنع نصراً لم تكن شروطه موجودة أصلاً..

وعند هذه النقطة.. يتغير السؤال كله..
من.. مَن المسؤول؟!.. إلى.. هل كان بالإمكان فعلاً أن تكون النتيجة مختلفة.. في ذلك الزمن.. بتلك الأدوات.. وتحت تلك الموازين؟!..

وللإجابة عليه.. لا بد من أن نغادر مساحة الانفعال.. إلى مساحة النظر الهادئ.. حيث تُقرأ الوقائع بميزانها الكامل.. لا بجزء منها.. ونُدرك حجم الضغوط الدولية.. وتشابك المشاريع التي كانت تُنفذ بالقوة.. وبغطاء أممي يفرض نفسه على الأرض قبل أن يُناقش.. دون أن نغفل أيضاً.. أن التعقيد لم يكن خارجياً فقط.. بل تسلل إلى الداخل أيضاً.. حين اختلطت الأدوار.. وارتدى البعض لباسنا.. وتحدث بلغتنا.. وأعطى من داخلنا مساحات لم يكن العدو ليصل إليها بالحرب المباشرة..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :