facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التدريس مهنة الحاضر الماضي


فيصل سلايطة
03-05-2026 06:06 PM

في أحد أكثر المشاهد تأثيرًا في مسلسل الفصول الأربعة، يقف الفنان الراحل خالد تاجا متحدثًا عن أمنيته بأن يصبح مدرسًا. لم يكن حديثه عن وظيفة مستقرة أو مهنة اجتماعية محترمة، بل كان حديث إنسان أدرك أن التعليم ليس عملاً عادياً، وإنما قدرة هائلة على تشكيل الإنسان من الداخل.

التدريس من أخطر المهن وأكثرها حساسية، لأن أثره لا ينتهي بانتهاء الحصة الدراسية. الطبيب قد يعالج جسدًا، والمهندس قد يبني بناءً، أما المعلم فإنه يشارك في بناء الإنسان نفسه. كلمة واحدة قد تمنح طالبًا ثقة تمتد معه طوال حياته، وكلمة أخرى قد تزرع داخله خوفًا أو شعورًا بالنقص لا ينساه أبدًا. لذلك المعلم لا يتعامل مع أرقام أو حروف، بل مع أرواح تتشكل يومًا بعد يوم.

وربما تكمن غرابة هذه المهنة في أننا، نحن المعلمين، نعمل في الماضي أكثر مما نعمل في الحاضر. فكل ما نقوله اليوم سيتحول غدًا إلى جزء من ذاكرة الطالب. نحن نعيش داخل ماضيهم القادم... نصنع الذكريات التي سيعودون إليها بعد سنوات طويلة. قد يتذكر أحدهم معلمًا آمن به فغيّر حياته، وقد يتذكر آخر قسوة جعلته يكره العلم أو يكره نفسه. لذلك فإن المعلم يملك قدرة خفية على صناعة ماضي جميل أو مؤلم لطلابه، حتى دون أن يشعر.

التدريس ليس مهنة العضلات ولا مهنة الصوت المرتفع - بالرغم من أننا قد نلجأ إليه احيانا - لكن علينا أن ندرك أن التعليم لا ينتصر لمن يصرخ أكثر أو يعاقب أكثر ، بل مهنة العقل والقلب معًا. يحتاج إلى فهم، وصبر، وقدرة على الإصغاء، كما يحتاج إلى الحزم الذي يحفظ الاحترام داخل الصف.

فالمعلم الحقيقي لا يبني علاقته بطلابه على الخوف، بل على التوازن بين الحب والانضباط. الطالب قد ينسى الدرس، لكنه لا ينسى الشعور الذي منحه إياه معلمه.

كما أن التدريس مهنة عاطفة قبل أي شيء آخر. فالمعلم الذي يدخل الصف بلا اهتمام حقيقي بطلابه يتحول إلى مجرد ناقل معلومات، أما المعلم الذي يرى في كل طالب حكاية مختلفة، فإنه يصبح قادرًا على إيقاظ الفضول والأمل داخلهم. التعليم الحقيقي لا يحدث عندما تُحفظ المعلومات فقط أو يحزر الطالب علامات جيدة ، بل عندما يشعر الطالب أن هناك من يراه ويحترمه ويؤمن بقدرته على النجاح.

لهذا تبقى مهنة التدريس من أعظم المهن وأكثرها مسؤولية. إنها مهنة تصنع الإنسان قبل أن تصنع المعرفة، وتترك آثارها في الذاكرة والحياة معًا. وربما لهذا السبب كانت أمنية ذلك الرجل في المسلسل أن يكون مدرسًا؛ لأنه أدرك أن المعلم لا يغيّر يومًا دراسيًا فحسب، بل قد يغيّر عمرًا كاملًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :