هل بدأت رحلة اللاعودة؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
03-05-2026 06:56 PM
نحن لا ندخل العوالم دفعةً واحدة.. بل نتسلل إليها خطوةً صغيرة تبدو بريئة.. كمن يختبر ماء البحر بطرف قدمه.. ثم يجد نفسه بعد حين يسبح في عمقٍ لم يقصده.. هكذا تبدأ الحكايات كلها.. لا بضجيجٍ كبير.. بل بصمتٍ ناعم.. يخدعك بأنه مجرد تجربة..
ونحن إذ نعيش في زمن.. صار فيه الذكاء هو العملة الأثمن.. برز ما نسمّيه اليوم الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تُسهّل.. وتختصر.. وتُدهش.. لكن خلف هذا الإعجاب.. يتشكل نمط خفي.. حيث لم يعد الاستخدام مجرد مساعدة.. بل تحول عند كثيرين إلى اعتمادٍ كامل.. حتى أولئك الذين أمضوا سنواتٍ في بناء خبرتهم.. أصبحوا حين يكتبون فكرة.. أو يحللون موقفاً.. أو يصيغون رأياً.. أو يردون على منشور.. يلجأون إلى الآلة لتفعل ذلك عنهم.. لا لأنهم عاجزون في هذه اللحظة.. بل لأن الطريق الأقصر أصبح أكثر إغراءً.. ولكن مع الوقت والاعتماد.. سيصبحون عاجزين..
هنا لا نتحدث عن ضعف فردي.. بل عن تحوّل جماعي في طريقة التفكير.. حيث يبدأ العقل بالتراجع خطوة خلف الأداة التي صنعها.. ومع كل مرةٍ نؤجل فيها جهدنا لصالحها.. نُسلمها جزءاً صغيراً من قدرتنا.. حتى يصبح الفرق بين المساعدة والاستبدال غير واضح..
وعندما تظهر أصوات مثل إيلون ماسك.. لتتحدث عن اقتراب ما يسميه Singularity.. فإنها لا تشير فقط إلى قفزة تقنية.. بل إلى لحظة قد يتجاوز فيها ما نصنعه.. قدرتنا على الفهم الكامل.. ليس تمرداً للآلة كما تُصوره الأفلام.. بل تعقيداً يتراكم.. حتى يصبح التحكم به مسألة أصعب من بنائه..
وعندما يصل الحديث إلى الأسلحة الذكية.. فنحن هنا نقترب من منطقة أكثر جدية.. لأن هذا المجال فعلاً قيد النقاش عالمياً.. أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات قتالية بدرجات مختلفة من الاستقلالية.. وهو ما أثار تحذيرات من جهات عديدة.. منها الأمم المتحدة.. وكذلك من شخصيات مثل إيلون ماسك.. ليس لأن الآلة تتمرد.. بل لأن الخطأ في بيئة كهذه لا يُحتمل.. ولأن نقل القرار من الإنسان إلى الخوارزمية.. يفتح باباً يصعب إغلاقه لاحقاً..
وهنا تبرز الصورة التي تبدو كالثقب الأسود.. لا كحقيقةٍ علمية.. بل كاستعارةٍ دقيقة.. لأن الخطر ليس في وجوده.. بل في طبيعته.. حيث لا تشعر بلحظة العبور.. بل تكتشفها بعد أن تصبح العودة مكلفة.. أو مستحيلة..
وما نراه اليوم من انسياقٍ خلف الذكاء الاصطناعي.. حتى من أهل الاختصاص.. ليس النهاية.. لكنه إشارة.. فحين يبدأ الخبير بالاعتماد على الأداة ليقول ما يعرفه أصلاً.. فإننا لا نختصر الوقت فقط.. بل نعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومعرفته..
لذلك.. السؤال لا يجب أن يُطرح بصيغة الخوف من المستقبل.. بل بصيغة الوعي بالحاضر.. لأننا لا نُسحب إلى هناك قسراً.. نحن نمشي.. ونختار.. ونتنازل قليلاً في كل مرة..
فهل بدأت رحلة اللاعودة؟!.. ربما لم نصل بعد إلى تلك اللحظة الحاسمة.. لكننا بالتأكيد بدأنا الطريق إليها.. والطريق.. كما نعرف دائماً.. هو أخطر من الوجهة.. لأنه لا يُشعرك متى تجاوزت النقطة التي كان يمكن عندها أن تتوقف..
وهنا يبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله.. والذي يراودني كثيراً.. ليس هل يوجد زر للتوقف.. بل هل ستكون لدينا الشجاعة والقدرة لنضغطه.. طبعاً إن وُجد؟!..