هل الأردن تحت الهيمنة العسكرية الأمريكية .. كما يُشاع؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
06-05-2026 05:18 PM
عندما يُقال.. إن التواجد الأمريكي خرقٌ لسيادة الأردن.. فالأمر لا يمكن المرور عليه مروراً عابراً.. ولا التسليم به.. ولا نفيه بذات السهولة.. لأن ما بين الروايتين مساحة واسعة.. تستحق أن تُفحص بهدوء.. وأن تُقرأ بلا انفعال.. وأن يُبحث فيها عن الحقيقة كما هي.. لا كما نرغب أن تكون.. حتى لو قادتنا إلى ما لا نريد الاعتراف به..
فليست كل الضوضاء دليلاً على معركة.. أحياناً تكون مجرد صدى لفراغ.. يُملأ بكلمات كبيرة.. تُلقى بلا وزن.. وتُعاد بلا تفكير.. حتى يظن السامع أن خلفها حقيقة.. بينما هي في جوهرها محاولة لإقناع الناس بما لا يقف على قدمين..
في السياسة.. لا تُقاس الأمور بالشعارات.. بل بالوقائع.. ولا تُفهم السيادة من خلال جملة مبتورة.. أو مقطع مجتزأ.. بل من خلال قراءة كاملة للمشهد.. بما فيه.. وما حوله.. وما وراءه..
عندما يتحول وجود 3800 من الجنود الأمريكيين في الأردن.. إلى احتلال في أعين البعض.. فإن السؤال الحقيقي ليس عن الأردن.. بل عن معيار الفهم ذاته.. كيف تُفسر الأرقام.. وكيف تُقرأ الجغرافيا.. وكيف تُختزل الدول في رواية عاطفية لا علاقة لها بالواقع..
في ألمانيا.. 38 ألف جندي أمريكي.. في بريطانيا.. 10 آلاف.. في إيطاليا.. قواعد وتمركزات و18 ألف جندي أمريكي.. وفي دول تمتلك من القوة العسكرية ما يجعلها قادرة على فرض إرادتها.. مثل تركيا.. وأذربيجان.. واليابان.. وغيرها من الدول.. ومع ذلك.. لا أحد يصف ذلك بانهيار وانتهاك سيادة.. ولا بابتلاع قرار.. بل يُفهم ضمن سياق التحالفات.. والمصالح.. والتوازنات الدولية..
لكن.. حين يصل الحديث إلى الأردن.. تتغير اللغة فجأة.. ويصبح الرقم الأصغر هو الجريمة الأكبر.. ويُعاد تعريف المفاهيم.. لا وفق العلم.. بل وفق الهوى.. وكأن السيادة مفهوم انتقائي.. يُستخدم حيث نريد.. ويُسحب حيث نشاء..
الحقيقة التي يتجنبها كثيرون من أبناء جلدتنا للأسف.. أن الوجود العسكري الأمريكي في الأردن.. ليس قراراً مفروضاً.. بل نتيجة شراكات استراتيجية.. تُبنى على حسابات دقيقة.. تتعلق بالأمن.. والاستقرار.. وموقع الأردن في قلب منطقة لا تهدأ.. ولا تُترك لمن لا يملك أدوات التوازن فيها..
الأردن.. بحكم موقعه.. ليس دولة تعيش على هامش الأحداث.. بل في عينها.. وهذا يفرض عليه خيارات لا تُفهم بمنطق الشعارات الثورية.. بل بمنطق البقاء.. والتأثير.. ومَن لا يرى ذلك.. فهو إما يتجاهل.. أو يتعمد أن يعطل عقله.. ويغمض عينيه لكي لا يرى..
أما الحديث عن استباحة السيادة.. فهو أقرب إلى خطاب تعبوي.. يُراد منه إثارة الشارع.. لا توعيته.. لأن السيادة لا تُقاس بعدد الجنود.. بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها.. والتحكم بحركة هؤلاء الجنود.. وحماية مصالحها.. وإدارة علاقاتها دون أن تفقد توازنها..
ولو كانت الأرقام وحدها دليلاً على الهيمنة.. لكانت دول كبرى.. وتمتلك الاسلحة الفتاكة والنووية.. قد فقدت سيادتها منذ عقود.. لكنها لم تفعل.. لأنها تدير علاقاتها من موقع فهمها لهكذا تحالفات.. لا من موقع انفعال..
ما يحدث في بعض الخطابات.. ليس دفاعاً عن الأردن كما يدّعون.. بل استثمار فيه.. استثمار في عاطفة الناس.. وفي جهل التفاصيل.. وفي خلط المفاهيم.. لصناعة حالة من الشك.. وتجييش للشارع.. لا أكثر..
والأخطر من ذلك.. أن هذا النوع من الطرح لا يُضعف الرواية الرسمية فقط.. بل يُضعف ثقة الناس بقدرتهم على فهم ما يجري حولهم.. وكأن الحقيقة دائماً مؤامرة.. وكأن الدولة دائماً متهمة.. وكأن كل ما لا يُفهم.. يجب أن يُدان..
رباط السالفة.. ليس كل مَن رفع صوته كان على حق.. وليس كل مَن اتهم كان صادقاً.. فبعض الضجيج.. لا يُراد له أن يُقنعك.. بل أن يُربكك.. فقط لكي لا ترى الصورة كما هي.. بل كما يريدها هو..
حمى الله الأردن.. ملكاً.. وشعباً.. وأرضاً..
ولعن الله كل مَن أراد ويريد شراً بالأردن..