بين اليورانيوم والقاذفات: هل نحن أمام اتفاق نووي أم هدنة قبل الحرب؟
صالح الشرّاب العبادي
07-05-2026 08:52 AM
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائماً بالصواريخ، بل تبدأ أحياناً بابتسامة دبلوماسية، وتسريب صحفي، ومؤتمر صحفي مرتبك، وتصريحات متناقضة توحي بأن السلام قريب… فيما الطائرات تكون قد أقلعت فعلاً.
هذا ما يحدث اليوم في الملف الإيراني الأمريكي بشكل عام.
خلال ساعات قليلة فقط، انتقلت واشنطن من الحديث عن “مشروع الحرية” وتهيئة المسرح العسكري وفتح مضيق هرمز بالقوة، إلى لغة الاتفاقات والتفاؤل وقرب التوصل إلى صفقة تاريخية مع طهران. انتقال حاد وسريع يكشف أن ما يجري ليس مساراً تفاوضياً مستقراً، بل إدارة أزمة على حافة الانفجار.
المشكلة أن جوهر الخلاف لم يتغير أبداً.
الولايات المتحدة لا تريد مجرد اتفاق نووي، بل تريد تفكيك القدرة الإيرانية على العودة مستقبلاً إلى مشروع الردع النووي. ولهذا تصر على إخراج اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، وتتعامل مع أي بقاء لهذا المخزون داخل إيران باعتباره “قنبلة مؤجلة”.
أما إيران، فهي لا ترى اليورانيوم مادة تقنية يمكن التفاوض عليها بسهولة، بل تعتبره ثمرة عقود من الحصار والاغتيالات والعقوبات والحروب السرية. ولذلك فإن تسليم هذا المخزون يعني ـ في العقل الاستراتيجي الإيراني ـ تسليم عنصر القوة الوحيد الذي أجبر واشنطن على العودة إلى الطاولة.
هنا تحديداً تتجلى المعضلة الكبرى:
واشنطن تريد اتفاقاً يُنهي الخطر الإيراني.
وطهران تريد اتفاقاً يعترف بقوتها لا يُنهيها.
لكن الأخطر من المفاوضات نفسها، هو ما يجري خلفها.
تصريحات دونالد ترامب الأخيرة لم تكن تصريحات رئيس واثق من اتفاق، بل بدت كخطاب رجل يريد إبقاء جميع الخيارات مفتوحة: تفاوض، تهديد، تصعيد، ثم عودة إلى التفاؤل، ثم التلويح بالقصف مجدداً. هذا التناقض لا يعكس فقط شخصية ترامب السياسية، بل يعكس ارتباك المؤسسة الأمريكية نفسها.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لن تكون نسخة مكررة من العراق أو ليبيا او افغانستان ، بل حرباً إقليمية مفتوحة قد تُغلق فيها المضائق، وتشتعل القواعد الأمريكية، وتُضرب الأسواق العالمية للطاقة اضخم مما هي عليه الآن.
ولهذا يبدو أن واشنطن تحاول انتزاع “استسلام نووي ناعم” عبر الضغط النفسي والإعلامي، دون الاضطرار إلى خوض الحرب فعلياً.
لكن طهران بدورها لا تبدو مخدوعة.
الإعلام الإيراني والسياسيون الإيرانيون يتحدثون بوضوح عن انعدام الثقة الكامل بالولايات المتحدة. بل إن الخطاب الإيراني بدأ يتحول من مناقشة نسب التخصيب إلى الحديث عن “الحرب الهجينة” ومحاولات تحريك الداخل الإيراني، وإثارة الأطراف الرخوة أمنياً، سواء في كردستان أو جنوب شرق البلاد او شمال غرب ايران ( أكراد ايران )
وهذا مؤشر بالغ الأهمية.
لأن إيران باتت ترى أن الخطر الحقيقي لم يعد في الطائرات الأمريكية فقط، بل في سيناريو تفكيك الداخل من الداخل، أي إسقاط الدولة عبر الفوضى والاستنزاف والعقوبات والاضطرابات المركبة، وهو السيناريو الذي تعتبر طهران أنها نجحت حتى الآن في احتوائه.
أما إسرائيل، فهي تبدو الطرف الأكثر استعجالاً للحسم العسكري والمحرض الاقوى على الحسم النووي والصاروخي .
فكلما اقترب الحديث عن اتفاق، ارتفع الصوت الإسرائيلي الرافض لأي تسوية تُبقي إيران قوية أو محتفظة ببنية نووية قابلة للاستعادة مستقبلاً. ولذلك تتعمد تل أبيب إرسال رسائل متكررة بأنها جاهزة للعودة إلى الضربات العسكرية فوراً إذا انهارت المفاوضات.
ومن هنا يمكن فهم المشهد الحقيقي بعيداً عن الضجيج الإعلامي:
لسنا أمام سلام دائم، بل أمام هدنة مؤقتة بين احتمالين:
اتفاق هش… أو العودة إلى حرب مؤجلة جراحية حاسمة تحرك بركة التفاوض الراكدة ..
أما الحديث عن نسبة 3.67% أو مكان توقيع الاتفاق أو الدولة الوسيطة، فكلها تفاصيل ثانوية مقارنة بالسؤال الأعمق:
هل تقبل إيران أن تبقى دولة طبيعية بلا أنياب استراتيجية؟
وهل تستطيع الولايات المتحدة إعلان النصر دون خوض حرب تعرف أنها قد تشعل الشرق الأوسط كله؟
حتى اللحظة، لا أحد يملك الإجابة.
لكن المؤكد أن المنطقة لا تعيش مرحلة استقرار، بل تعيش أخطر لحظة “إعادة تموضع” منذ سنوات.
فإما أن يُولد اتفاق من رحم الخوف المتبادل…
أو أن تتحول المفاوضات نفسها إلى العدّ التنازلي للحرب القادمة.