قمة أردنية - قبرصية يونانية تتجاوز الجغرافيا نحو التأثير الإقليمي والدولي
السفير د. موفق العجلوني
07-05-2026 09:55 AM
في لحظة إقليمية تتسم بالتعقيد وتسارع التحولات الجيوسياسية، برزت القمة الثلاثية التي استضافها الاردن كحدث دبلوماسي يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة التحالفات الإقليمية. فاجتماع جلالة الملك عبدﷲ الثاني حفظه الله مع الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاء ليؤكد رسوخ نهج جديد في العمل الدبلوماسي يقوم على التنسيق متعدد الأطراف، وتوحيد الرؤى لمواجهة تحديات إقليمية متشابكة.
تعكس مخرجات القمة إدراكاً متزايداً لدى الأردن وقبرص واليونان بأن متطلبات المرحلة الراهنة تفرض تجاوز الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية، نحو بناء شراكات استراتيجية مرنة، قادرة على الاستجابة للتحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، تتقدم العلاقات الأردنية-القبرصية اليونانية كنموذج للتكامل الوظيفي بين الاردن و قبرص و اليونان رغم اختلاف السياقات الجغرافية.
فالأردن، بما يمتلكه من ثقل سياسي ودور محوري في قضايا الشرق الأوسط، يشكل ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، بينما تمثل قبرص و اليونان بوابة استراتيجية نحو أوروبا، مستفيدة من عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ما يمنحها القدرة على نقل أولويات المنطقة إلى مراكز صنع القرار الأوروبي. ومن هنا، تتجلى أهمية هذا التقارب الذي لا يقتصر على المصالح الثنائية، بل يمتد ليشكل جسراً سياسياً واقتصادياً بين ضفتي المتوسط.
حيث حملت القمة منرالجانبداللقتصادي رسائل واضحة حول ضرورة تعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة، لا سيما في قطاعات المياه والطاقة والسياحة والتعليم. فالتحديات المشتركة، وفي مقدمتها شح الموارد وارتفاع كلف الطاقة، تدفع باتجاه تبني مشاريع تكاملية تعزز من الاعتماد المتبادل، وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة. كما أن الموقع الجغرافي للدول الثلاث يمنحها ميزة تنافسية في تطوير ممرات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
أما على الصعيد السياسي، فقد برز توافق واضح في المواقف تجاه القضايا الإقليمية، حيث شددت القمة على أهمية الحلول السياسية، ورفض الإجراءات الأحادية التي تهدد الاستقرار. وجدد الأردن موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مؤكداً ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولات لفرض واقع جديد . في حين أبدت قبرص واليونان دعماً واضحاً لهذه الرؤية، ما يعكس تقارباً سياسياً يعزز من فاعلية هذا التحالف.
كما لم تغب القضايا الإقليمية الأخرى عن جدول الأعمال، حيث تم التأكيد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في مناطق النزاع، ودعم استقرار الدول العربية، وفي مقدمتها لبنان. ويعكس هذا التوجه إدراكاً مشتركاً بأن الأمن الإقليمي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحوار، واحترام السيادة، وتعزيز القانون الدولي.
وفي بعده الاستراتيجي، يكتسب هذا التعاون الثلاثي أهمية خاصة، كونه يتجاوز التنسيق السياسي ليشمل بناء منظومة تعاون إقليمي قادرة على التعامل مع التحديات غير التقليدية، مثل الهجرة غير النظامية والتغير المناخي والتهديدات الأمنية المستجدة. وهو ما يعزز من مكانة الأردن وقبرص كفاعلين معتدلين يسهمان في إعادة تشكيل ملامح الاستقرار في شرق المتوسط.
من هنا ، تؤكد القمة الثلاثية في الاردن أن العلاقات الأردنية-القبرصية - اليونانية دخلت مرحلة جديدة من العمق والتكامل، تتجاوز حدود التعاون التقليدي نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. وفي عالم يزداد اضطراباً، تبدو مثل هذه التحالفات ضرورة لا خياراً، ليس فقط لتعزيز المصالح المشتركة، بل أيضاً للإسهام في بناء نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً، يكون فيه الحوار والتعاون بديلاً عن الصراع والانقسام .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية