الأردن والتعديلات المؤجلة في عقل الدولة
د. موسى الرحامنة
07-05-2026 10:03 AM
الأوطان لا تسقط في لحظة عاصفة كما يتخيل البعض، ولا تهوي بضربة واحدة، لكنها تذبل ببطء تحت وطأة الخيبات المتراكمة، حتى يصبح التعب والارهاق الوطني حالة عامة تظهر ملامحها في الوجوه وتسكن البيوت والقلوب.
تُنهَك الأوطان حين يتحول الخوف من الغد إلى شعور يومي دائم، وحين يستيقظ المواطن مثقلًا بأسئلة المعيشة قبل أن يبدأ يومه:
كيف سيدفع فاتورته؟ وكيف سيؤمّن مستقبل أبنائه؟
وكيف يمكن لإنسان يعمل طوال عمره أن يبقى عاجزًا عن الوصول إلى حياة كريمة؟
إن أخطر ما يواجهه الوطن ليس الفقر وحده، بل الإحساس القاسي بأن هذا الفقر كان يمكن تجنبه لو أُديرت الموارد بعدالة، ولو قُدمت الكفاءة على المحسوبية، ولو أصبحت مصلحة الناس هي البوصلة الحقيقية للقرار.
تتعب الدول حين يشعر المواطن أن جهده لا يُكافأ، وأن الأبواب لا تُفتح للجميع بالقدر ذاته، وأن الطريق إلى الفرص لا يمر دائمًا عبر الكفاءة والعمل والاجتهاد، بل عبر النفوذ والعلاقات والامتيازات المغلقة. عندها يفقد الإنسان ثقته لا بالحكومة وحدها، بل بفكرة العدالة نفسها.
وحين تهتز العدالة في وجدان الشعوب، يبدأ التصدع الحقيقي؛ لأن الإنسان يستطيع احتمال الضيق، لكنه لا يستطيع احتمال الشعور بأنه متروك، أو أن صوته لا قيمة له، أو أن معاناته تُدار كأرقام باردة في تقارير رسمية لا تسمع أنين الناس.
لهذا فإن الحديث عن “التعديل” لا ينبغي أن يُختزل في تبديل أسماء الوزراء أو إعادة توزيع الحقائب، وكأن الأزمة تكمن في الأشخاص وحدهم. فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمة نهج كامل يحتاج إلى مراجعة شجاعة وصادقة. نحن بحاجة إلى تعديل في فلسفة الإدارة ذاتها؛ تعديل يعيد تعريف معنى المسؤولية العامة، بحيث يصبح المنصب عبئًا أخلاقيًا قبل أن يكون وجاهة أو سلطة، ويصبح المسؤول خادمًا للناس لا متحدثًا باسم معاناتهم.
بحاجة إلى دولة تُصارح شعبها بدل أن تكتفي بطمأنته المؤقتة، وتواجه الأزمات بحلول حقيقية لا بإدارة الوقت وتأجيل الاستحقاقات.
بحاجة إلى إصلاح يعيد الثقة للشباب الذين كبروا وهم يسمعون الوعود ذاتها، حتى أصبح بعضهم يرى الهجرة خلاصًا شخصيًا من واقع لم يعد يمنحه الأمان النفسي ولا الاقتصادي.
إن نزيف الأمل أخطر من نزيف المال، لأن المال يمكن تعويضه، أما الشعوب إذا فقدت إيمانها بالمستقبل فإن استعادته تصبح معركة طويلة ومؤلمة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس غضب الناس… بل صمتهم.
فالغضب يعني أن جذوة الأمل ما تزال مشتعلة، وأن الناس ما زالوا يؤمنون بإمكانية الإصلاح. أما حين يتحول الإحباط إلى صمت ثقيل، وإلى قناعة راسخة بأن شيئًا لن يتغير، فهنا يبدأ التآكل البطيء في روح الوطن.