من كشك القهوة إلى النقابة .. كيف نذبح الاستثمار بأيدينا؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
07-05-2026 10:56 PM
ليس أخطر على الاستثمار.. من أن يشعر المستثمر.. أن كل خطوة يخطوها داخل هذا البلد.. يقابلها مَن يفكر كيف يضع في طريقه قيداً جديداً.. ورسماً جديداً.. وإلزاماً جديداً.. ووظيفة جديدة لا يحتاجها.. فقط لأن أحدهم قرر أن يخلق عبئاً إضافياً.. ثم يسميه تنظيماً..
نحن لا نحارب البطالة.. نحن نعيد تدويرها داخل القوانين.. ثم نطلب من القطاع الخاص.. أن يتحمل نتائج عبقريتنا التشريعية..
فكل يوم نسمع عن جذب الاستثمار.. وعن دعم الشباب.. وعن تحفيز الاقتصاد.. الخروج من عنق الزجاجة.. والايام الأجمل قادمة.. ثم نصحو على تشريع جديد.. أو مخالفة جديدة.. أو متطلب جديد.. يجعل صاحب المشروع يفكر ألف مرة.. قبل أن يفتح باباً للرزق.. أو حتى يبقي ما هو مفتوحاً أصلاً..
واليوم.. يصل بنا المشهد إلى مقترحات تتحدث عن إلزام أي منشأة يتجاوز رأسمالها 50 ألف دينار.. بتعيين مستشار إعلامي.. وكأننا أمام شركات عابرة للقارات.. لا مؤسسات بالكاد تقاوم تكاليف الكهرباء.. والإيجارات.. والضرائب.. والرسوم..
لم يعد ينقصنا سوى.. أن يصبح لكل كشك قهوة على الطريق.. مستشار إعلامي.. وخبير نفسي.. ومراقب جودة.. وطبيب أسرة.. ومحامٍ مقيم.. حتى يبيع السائق فنجان قهوة.. وهو يرتجف من عدد الالتزامات.. لا من حرارة الفنجان..
ثم يخرج علينا مَن يحدثنا عن البطالة.. وكأنها نزلت علينا من السماء.. لا من بيئة تشريعية.. تخنق كل فرصة عمل صغيرة.. قبل أن تكبر..
حتى مخالفات السير لشرب القهوة أثناء القيادة.. لم تُقرأ من زاوية أثرها الاقتصادي.. فهذه الأكشاك المنتشرة على الطرقات.. لا تعيش على المارة.. بل على السائقين.. وحين تُجرَّم أبسط التفاصيل اليومية.. دون تمييز منطقي بين التهور.. وبين شرب رشفة ماء.. أو قهوة.. فنحن لا نعالج خطراً حقيقياً.. بقدر ما نوجه طعنة جديدة لأرزاق آلاف الناس..
المشكلة ليست في القانون حين يكون ضرورياً.. بل حين يتحول إلى أداة جباية.. أو وسيلة تنفيع.. أو استعراض تنظيمي منفصل عن الواقع..
وهنا يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً في آن واحد..
هل فعلاً لا تتم دراسة آثار هذه التشريعات على الاقتصاد والاستثمار وسوق العمل؟!..
أم أن المواطن بات مضطراً ليسأل نفسه سؤالاً أخطر.. لماذا يبدو المشهد أحياناً.. وكأننا نحارب أي فرصة للحياة.. والعمل.. والإنتاج؟!..
لأن المستثمر لا يريد خطابات.. بل يريد أن يشعر.. أن الدولة تفتح له الباب.. لا أن تنتظره خلف الباب بدفتر مخالفات.. وكومة إلزامات.. وسكاكين جاهزة للذبح..