خطاب الكراهية… وصيّادو الفتنة في الماء العكر
محمد مطلب المجالي
08-05-2026 10:10 PM
تتسلل إلى المجتمعات اليوم ظواهر خطيرة لا تهدد مجرد الرأي العام، بل تمسّ نسيجها الداخلي ووحدتها، وفي مقدمتها خطاب الكراهية، الذي لا يكتفي بتبادل وجهات النظر، بل يتجاوز ذلك إلى بثّ الفرقة، وتأجيج الانقسام، وتحويل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى صراعٍ وعداء.
ليس أخطر ما تواجهه المجتمعات الأزمات الاقتصادية أو السياسية وحدها، بل ذلك النوع من الخطاب الذي يفرّق ما جمعته الأيام، ويزرع الشك حيث كان اليقين، ويحوّل الكلمة من وسيلة للتفاهم إلى أداة للتصادم. وهنا تفقد اللغة وظيفتها الإنسانية، وتتحول إلى وسيلة إقصاء بدل أن تكون جسر تواصل.
وفي قلب هذا المشهد، يظهر أولئك الذين لا يهمهم بناء وطن ولا استقرار مجتمع، بقدر ما يهمهم الاصطياد في المياه العكرة. يراقبون لحظات التوتر، فإذا ما برز خلاف أو اختلاف، سارعوا إلى تضخيمه وتأجيجه، وتغذيته بخطابٍ مشحونٍ بالتحريض والتشويه، حتى يتحول الحدث العابر إلى أزمة مفتعلة، والرأي إلى خصومة.
هؤلاء لا يكتبون للإصلاح، بل للإثارة. ولا يتحدثون بهدف الإقناع، بل لإشعال الانقسام. يرفعون شعارات الحرص والغيرة، بينما يمارسون في العمق تفكيكاً ممنهجاً للعلاقات الاجتماعية، وضرباً لقيم التماسك بين أبناء الوطن الواحد.
إن خطورة خطاب الكراهية أنه لا يستهدف الفكرة فقط، بل الإنسان ذاته؛ في كرامته، وانتمائه، وحقه في الاختلاف. يبدأ بكلمة، ثم يتحول إلى موقف، ثم إلى سلوك، حتى تتسع الفجوة داخل المجتمع، ويصبح الانقسام حالة قابلة للتكرار والتغذية المستمرة.
ومع ذلك، تبقى المجتمعات الواعية قادرة على الصمود أمام هذه الظواهر، حين تمتلك مناعة فكرية تدرك أن الاختلاف ليس عداءً، بل تنوع، وأن النقد ليس خصومة، بل تصويب، وأن من يعلو صوته بالكراهية غالباً ما يفتقر إلى الحجة والمبدأ.
إن المواجهة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكون بالمثل، ولا بالانجرار إلى مستواه، بل برفع مستوى الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الكلمة المسؤولة التي تبني ولا تهدم. فالمجتمعات التي تحسن التمييز بين النقد والتحريض، هي وحدها القادرة على حماية نفسها من محاولات التفكيك مهما تنوعت أدواتها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة: الأوطان لا تُبنى بخطاب الكراهية، ولا تُدار بالمزايدات، بل تُصان بالعقل، وتنهض بالوعي، وتستقر حين يدرك أبناؤها أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم.
وحمى الله الوطن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، ورعى القيادة الهاشمية الحكيمة، وراعي مسيرتها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم الملك عبدالله الثاني، الذي يواصل مسيرة البناء بثباتٍ وحكمة، ويجعل من الأردن نموذجاً في التوازن وصون الكرامة الوطنية.
محمد مطلب المجالي