لمّا أموت .. لا تيجي تعزي
محمود الدباس - أبو الليث
12-05-2026 10:52 AM
أحيانا.. نشعر أن المجتمع لا يكتفي بأن يحزن الإنسان.. بل يريد منه أن يثبت حزنه بالدوام.. وبعدد الكراسي.. وبكمية القهوة.. وبعدد الوجوه التي دخلت وخرجت من بيت العزاء.. وكأن الفقيد لن يُغفر له.. إلا بعد أن يُنهَك أهله ثلاثة أيام من الوقوف.. والتكلّف.. واستقبال الناس..
صرنا نحاسب بعضنا على الغياب أكثر مما نواسي بعضنا على المصيبة نفسها..
فلان لم يحضر.. وفلان تأخر.. وفلان لم يتصل.. وفلان اكتفى برسالة.. وكأن الموت تحوّل من لحظة دعاء ورحمة.. إلى دفتر حضور وغياب..
والمصيبة.. أن البعض لا يلتمس لك عذراً أبداً..
قد لا تعلم أصلاً بالوفاة.. وقد تكون مريضاً.. أو بعيداً.. أو غارقاً في همّ لا يعلمه إلا الله.. لكن كل ذلك لا يهم.. لأن الحُكم صدر مسبقاً..
شكله في بينه وبين الميّت قطيعة..
هكذا هي ببساطة..
وكأن القلوب تُقاس بعدد مرات الحضور إلى بيت العزاء.. والمدة التي يقضيها هناك.. لا بصدق المحبة.. ولا بنقاء المواقف..
قبل أيام.. عاتبني أحدهم.. لأنني لم أشارك صديقاً لنا بوفاة قريب له.. وحين أخبرته أنني لم أعلم بالأمر أصلاً.. لم يقتنع.. بل ذهب مباشرة إلى التفسير الأسهل والأقسى.. أن بيننا خلافاً..
صدقوني ضحكت في داخلي كثيراً.. بقدر الألم الذي اعتصرني..
لأنني حين أذهب للعزاء.. لا أذهب لأثبت حضوري عند الناس.. ولا لأضمن أن يراني أحد.. ولا لأحجز لي مكاناً في ذاكرة المجاملات..
أذهب لوجه الله.. ثم أعود..
لا أنتظر شكراً.. ولا أسجل ديوناً بشرية على أحد..
فمتى نتعلم أن نعذر بعضنا؟!..
متى نفهم أن المواساة ليست بعدد الساعات.. ولا بعدد الزيارات.. ولا بصورة تُنشر.. ولا باسم يُذكر..
وأن الدعاء الصادق في غيابك.. قد يكون أصدق من حضورٍ مليء بالمجاملة.. والالتفات للناس..
لهذا قلتها لأبنائي مراراً..
حين أموت.. لا أريد مضافة.. ولا كلفة.. ولا إنهاكاً لأحد..
العزاء على المقبرة.. دقائق دعاء.. ثم ليذهب كل إنسان إلى بيته.. وأطفاله.. وحياته..
مَن أراد أن يأتي للمقبرة.. فله منا الشكر.. والأجر من الله..
ومن لم يأتِ.. فله منا أيضاً كل العذر والمحبة..
فالميت.. لا يوجعه عدد المعزّين..
لكن الأحياء.. يوجعهم كثيراً هذا المجتمع.. حين يحوّل الرحمة إلى التزام.. والحزن إلى اختبار علاقات..