حين يغمرنا الوهم بأننا أحكمنا الإحاطة بعالمنا، تباغتنا الأيام بزفرة لاهبة، وكأن صدر الزمن يضيق بما نحمله من يقين زائف. فجأة نجد أنفسنا في خضم عاصفة من التحولات التي لا تشبهنا، ولا تمت بصلة لما ألفناه وعرفناه وعايشناه.
الأرض تغير إيقاعها، والهواء يفقد طعمه، بينما تتسلل التكنولوجيا بيد باردة لتمسك بمعصم الحياة، وتقودها نحو وجهة مجهولة لا نملك حق الانسحاب منها. في داخلنا يعلو صوت يشبه الهاجس: نحن نخطو نحو زمن لا يحاكي تاريخ البشر، إنما يجسد خيالاً أفرط في واقعيته حتى استحال قدراً.
فمثلا فكرة العمل التي كانت يوماً عماد الروح، تنهار اليوم في صمت مطبق. تلك الفلسفة التي صاغت وعي القرون، وسحبت الإنسان من سكينة الحقول إلى ضجيج المصانع، تفقد بريقها؛ فالجهد لم يعد مصدر القيمة، والعرق كفّ عن كونه صك الإنجاز. تتقدم «الخوارزمية» بزهو لتصنع ثروة بلا يد، وتصيغ حياة بلا عناء.
هذا الانقلاب يتجاوز مفهوم الثورة التقنية، ليمس طبيعة المعنى ذاته، ويقتلع الجذور التي قامت عليها الحضارة. وبسقوط الجهد، يترنح الإيقاع الأخلاقي الذي كان يضبط نبض العالم. الوفرة بلا كلفة قد تبدو فردوساً مغرياً، إلا أنها تحمل في طياتها هشاشة تصيب الروح حين تفقد صراعها الوجودي.
الإنسان الذي شحذ أحلامه على مدار قرون بمطرقة الحاجة، يجد نفسه تائهاً حين تتحول الحاجة إلى «صفر»، ويصبح العالم سهلاً لدرجة تعطل الحواس.
كما أن الرفاه الزائد لا يشيد معنى، إنما يضع صلابة المعنى داخلنا قيد الاختبار. فعندما تتلاشى الندرة، تختفي الحواف التي نصقل عندها قوتنا الداخلية.
وفي قلب هذه الطفرة المذهلة، يتحول الجسد البشري إلى مشروع قابل للتعديل؛ العقل يمتص المعرفة بلمسة، والذاكرة تُرمّم كأنها ملف أصابه العطب، والحواس تُمنح أبعاداً لم تكن يوماً في حسبان التطور الطبيعي. التكنولوجيا لا تكتفي بالمحيط، بل تعيد صياغة الإنسان من الداخل.
عند هذا الانكسار الساحق، يلوح بصيص ضوء حقيقي كأنه نجمة عصية على التلاشي. ذلك النور هو قدرة أرواحنا على الاحتفاظ بلمسة تذكرها بأننا لم نُخلق لنعيش في رفاه مطلق أو شقاء خالص، بل لنجد توازننا فيما بينهما، ولنمنح حياتنا قيمة نغزلها بأيدينا وقلوبنا، لا بآلة تنوب عنا حتى في الشعور.
من الواضح أن من سينجو من تلك المعمعة هو الأعمق إنسانية. الثبات الحقيقي لا يبدأ من تروس الآلة، إنما من قلب يعرف كيف يحمي جمرة المعنى من الانطفاء، مهما بلغت شراسة الرياح.
الدستور