الاصل في مفهوم المعارضة.. أن تكون عيناً إضافية للدولة.. لا خنجراً في ظهرها.. وأن تشير إلى الخلل لكي يُصلّح.. لا لكي يتحول إلى مادة للتجييش.. والصراخ.. وكسب التصفيق..
فالمعارضة الحقيقية لا تُقاس بحدة الصوت.. ولا بعدد الشتائم.. ولا بقدرتها على إشعال الناس.. وإنما بقدرتها على حماية الدولة من الخطأ.. ومنعها من الانزلاق.. وفتح أبواب التصويب والإصلاح..
كثيرون ظنوا.. أن المعارضة تعني الخصومة مع الوطن.. وأن الوطنية لا تكون إلا بالصدام مع الدولة.. أو الحكومة.. فاختلط النقد بالتشهير.. والإصلاح بالتحريض.. وتحول بعض الخطاب إلى معاول تهدم الثقة بالمؤسسات.. وتزرع اليأس في الناس.. وكأن المطلوب إسقاط البنيان لا ترميم الشقوق فيه..
ولهذا كان دولة المغفور له بإذن الله أحمد عبيدات.. مدرسة مختلفة في معنى المعارضة.. رجل شغل أكثر المواقع حساسية في الدولة.. من مدير للمخابرات العامة.. إلى وزير للداخلية.. إلى رئيس للوزراء.. ثم خرج من الموقع الرسمي.. لكنه لم يخرج من عباءة الدولة.. ولم يتحول إلى خصم لوطنه.. بل بقي معارضاً وطنياً واعياً.. يشير إلى الألم بعقل الطبيب.. لا بمدى صراخ المريض.. ويضع يده على الخلل بهدف العلاج.. لا بهدف التشفي..
كان يدرك أن الدولة ليست عدواً.. وأن المسؤول مهما أخطأ.. لا يجوز أن يتحول الخلاف معه إلى معركة لهدم هيبة الوطن.. ولذلك بقيت معارضته محترمة.. حتى عند المختلفين معه.. لأنها معارضة تحمل مشروع تصويب.. لا مشروع فوضى..
ومن هنا جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى بيت فقيد الوطن.. لا كواجب بروتوكولي عابر.. بل كرسالة سياسية ووطنية عميقة الدلالة.. رسالة تقول.. إن الهاشميين لم يكونوا يوماً ضد المعارضة الوطنية الواعية.. بل كانوا دائماً يحتضنون الصوت العاقل.. الذي يريد الإصلاح.. ويحافظ على الدولة في ذات الوقت..
فالملك الذي يزور بيت رجل عُرف بمعارضته الشرسة.. إنما يؤكد أن الوطن يتسع للرأي والرأي الآخر.. وأن الاختلاف لا يُفسد الانتماء.. وأن الدولة القوية.. لا تخاف من النقد المسؤول.. بل تخاف من الغوغائية.. التي تلبس ثوب المعارضة.. بينما هي تهدم الثقة.. وتؤجج الشارع.. وتحوّل الشتيمة إلى بطولة..
لهذا يجب أن نفرّق جيداً بين معارضة تبني.. ومعارضة تحرق.. بين من يريد إصلاح الجدار.. ومن يريد إسقاط السقف فوق رؤوس الجميع.. فالأردن لم يكن يوماً دولة تُعادي الكلمة الوطنية الحرة.. لكنه أيضاً.. لم يكن ساحة لمن يتاجر بالغضب.. أو يحوّل الإساءة والتشهير إلى مشروع سياسي..
المعارضة الحقيقية.. هي التي تبقى واقفة تحت علم الوطن.. حتى وهي تختلف.. لا التي تحاول إسقاط العلم.. لكي تثبت أنها موجودة..
فالمعارضة هي التي تبني الوطن.. لا التي تهدمه..