facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رابطة الكُتّاب الأردنيين .. محرابُ فكرٍ أم ساحةُ خصام؟


محمد مطلب المجالي
17-05-2026 12:36 PM

في الأصل، لم تُنشأ رابطة الكُتّاب الأردنيين لتكون حلبةً لتصفية الحسابات، ولا منبرًا للصراخ المتبادل، ولا ميدانًا لإثبات الأنا المتضخّمة. وُجدت لتكون بيتًا للكلمة الحرة، ومحرابًا للثقافة، وواجهةً تليق بالمثقّف الأردني الذي حمل قلمه يومًا ليواجه الجهل والتعصّب والانحدار، لا ليغرق في خلافاتٍ صغيرةٍ تُستنزف فيها الطاقات وتُهدر فيها الهيبة.

لكنّ المتابع لما يدور في أروقة الرابطة، يكاد يشعر أحيانًا أنّ بعضهم لا يكتب ليُثري الفكر، بل ليُشعل الحرائق، ولا يتحاور ليصل إلى الحقيقة، بل ليكسب جولةً عابرة في معركة عبثية لا رابح فيها. حتى باتت الخلافات الشخصية تتقدّم على المشروع الثقافي، وأصبح بعض المتنافسين يتعاملون مع الرابطة وكأنها غنيمة انتخابية أو إرثٌ خاص، لا مؤسسة وطنية يفترض أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع.

المؤلم حقًا، أنّ المثقّف – الذي يُفترض أن يكون أكثر الناس اتزانًا وقدرةً على إدارة الاختلاف – يتحوّل أحيانًا إلى أسير انفعال، يطلق الأحكام ويُوزّع الاتهامات ويُجيّش الأنصار، وكأنّ القضية معركة كسر عظم لا انتخابات ثقافية. والأسوأ من ذلك، أن ينشغل البعض بسفاسف الأمور، وتتضخّم الحساسيات الشخصية حتى تطغى على هموم الثقافة والكتّاب والوطن.

إنّ احترام صندوق الاقتراع ليس ترفًا أخلاقيًا، بل أساسٌ لأي عمل مؤسسي محترم. فما أفرزته الانتخابات يجب أن يُحترم، سواء وافق الأهواء أم خالفها. أمّا تحويل كل نتيجة إلى بداية اشتباك جديد، فهو استنزاف للرابطة وتشويه لصورتها أمام الناس، حتى أصبح المواطن العادي يتساءل: هل هذه مؤسسة ثقافية أم ساحة ملاسنات لا تنتهي؟

وطالما أنّها رابطة الكُتّاب الأردنيين، فعلى الجميع أن يقف تحت منصّتها باحترامٍ ومسؤولية، وأن يُدرك أنّ كلمة “الأردنيين” ليست تفصيلًا عابرًا في الاسم، بل عنوانٌ جامعٌ لكل الاتجاهات والأفكار والرؤى. فهي ليست رابطة لفئةٍ دون أخرى، ولا منبرًا يُحتكر لصالح تيار أو مجموعة، بل بيتٌ ثقافي يتّسع للجميع ما دام سقفه الوطن، وركيزته الكلمة، وأداته الحوار الراقي لا الخصومة العقيمة.

وإذا كان الكُتّاب – وهم قادة الفكر وحملة الوعي وصُنّاع الكلمة – لا يستطيعون إدارة اختلافاتهم بقدرٍ من الحكمة والاتزان، فكيف نطلب من العامة وأنصاف المثقفين أن يتفقوا أو يتحاوروا بلغةٍ راقية؟

إنّه سؤالٌ كبير لا يجوز القفز فوقه، لأنّ من يُفترض بهم أن يكونوا قدوةً في الحوار وقبول الرأي الآخر، لا يليق أن يتحوّلوا إلى وقودٍ للسجالات وصناعة الأزمات وتأجيج الانقسامات.

فالمثقف الحقيقي لا تُقاس قيمته بحدّة صوته ولا بكثرة خصوماته، بل بقدرته على تهدئة المشهد، وترسيخ ثقافة الاختلاف النبيل، والانتصار للعقل حين يشتعل الانفعال. أمّا حين تتحوّل المنابر الثقافية إلى ساحات استقطاب، فإنّ الرسالة تضيع، وتبهت صورة الكلمة، ويصبح المشهد الثقافي نفسه جزءًا من الأزمة بدل أن يكون طريقًا للحل.

الرابطة أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأسماء، وأرفع شأنًا من الحسابات الضيقة. فلا يجوز أن تُختطف الثقافة لصالح التكتلات، ولا أن تتحوّل الكلمة إلى أداة تحريض وشحن واستعداء. فالمثقّف الحقيقي لا يقيس قامته بعدد المؤيدين حوله، بل بقدرته على الارتقاء فوق الخلافات الصغيرة، والانتصار للفكرة لا للنفس.

ولعلّ أخطر ما يهدّد المؤسسات الثقافية، ليس الفقر المالي ولا ضعف الإمكانات، بل انحدار الخطاب وتحويل المنابر الفكرية إلى ساحات للمهاترات. فحين تضيع البوصلة، يصبح الضجيج أعلى من الحكمة، ويعلو صوت الانفعال على صوت العقل، وتخسر الثقافة هيبتها أمام الناس.

إنّ المطلوب اليوم ليس انتصار فريق على آخر، بل انتصار الرابطة على أزماتها، وانتصار الثقافة على الأحقاد، وانتصار الحوار على التشكيك والتخوين. فالأوطان لا تبنيها المعارك الصغيرة، والمؤسسات لا تحفظها العصبيات، والمثقفون الحقيقيون لا يستهلكون وقتهم في مطاردة التفاصيل التافهة، بل في صناعة الوعي والدفاع عن الكلمة الحرة.

ولذلك، فإنّ حسم السجالات لا يكون بتوسيع دائرة الخصومة، بل بإعلاء قيمة الحوار، واحترام المؤسسات، والقبول بما تفرزه الإرادة الجماعية، حتى تبقى رابطة الكُتّاب الأردنيين منبرًا للوعي لا ساحةً للانقسام.

ستبقى رابطة الكُتّاب الأردنيين قيمة وطنية وثقافية حين يدرك الجميع أنّ الاختلاف لا يعني العداء، وأنّ الرأي الآخر ليس خصمًا يجب إلغاؤه، بل شريكًا في صناعة المشهد الثقافي. أمّا إذا استمرت المشاحنات العبثية، فسنجد أنفسنا أمام رابطة تُرهقها الخلافات أكثر مما تُغنيها الأقلام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :