facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التطبيع الذي قُدّم بوصفه بوابة سلام جديد في الشرق الأوسط


سمير حمدان - بودابست
20-05-2026 10:39 AM

* انتهى إلى مشروع لإعادة إنتاج الخضوع

في مقدمة كتاب «القضية العربية من أجل إسرائيل» لحسين عبد الحسين، كتبت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، ما بدا أقرب إلى بيان سياسي يعكس رؤية نافذة في واشنطن وتل أبيب أكثر من كونه مقدمة لكتاب. لم تتحدث أورتاغوس عن سلام قائم على العدالة، أو عن تسوية تنهي الاحتلال وتعيد للفلسطينيين حقوقهم السياسية، بل تحدثت بمنطق مختلف تمامًا، حين اعتبرت أن “التنازلات العربية لإسرائيل، رغم صعوبتها العاطفية، تخدم المصالح العربية بما فيها الفلسطينية أكثر من استمرار الصراع”، وخطورة هذه المقاربة أنها لا تنطلق من سؤال الحق، بل من سؤال القدرة، ولا تبحث عن إنهاء جذور الأزمة، بل عن صيغة تجعل الاحتلال قابلًا للتعايش معه داخل نظام إقليمي جديد تُعاد هندسته وفق ميزان القوة، لا وفق القانون الدولي أو العدالة التاريخية.

بهذا المعنى، لا يظهر التطبيع كاتفاق بين أطراف متساوية تبحث عن سلام دائم، بل كآلية لإدماج إسرائيل في قلب البنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري قابل للاحتواء عبر المساعدات، والممرات التجارية، والتنسيق الأمني، وهنا تتحول السياسة إلى إدارة للأزمة، ويتحول السلام إلى ترتيب فوقي يُطلب فيه من الفلسطينيين خفض سقف حقوقهم، ومن العرب إعادة تعريف الاستقرار باعتباره انسجامًا مع التفوق الإسرائيلي، لا توازنًا قائمًا على الشرعية والسيادة .

هذه الرؤية تنقل مركز الصراع من ميدان التحرر إلى ميدان الضبط، فبدل الاعتراف بأن جوهر الأزمة هو غياب حق تقرير المصير واستمرار السيطرة على الأرض والموارد، يجري تقديم المشكلة بوصفها نقصًا في التنمية أو عجزًا في الاندماج الاقتصادي، وبذلك تصبح العدالة تفصيلًا مؤجلًا، وتصبح مقاومة الاختلال القائم خروجًا على “الواقعية”، مع أن الواقعية التي تتجاهل جذور الصراع لا تنتج استقرارًا، بل تؤجل الانفجار وتجعله أكثر كلفة .

لكن الشرق الأوسط لا يُدار كمنطقة استثمارية يمكن إعادة هيكلتها بالصفقات والتحالفات الاقتصادية، فالمنطقة التي تشكلت عبر قرن من الاستعمار والحروب والانقلابات وصراعات الهوية لا تتحرك بمنطق المصالح المادية وحدها، بل بمنطق السيادة والكرامة والذاكرة السياسية، ولهذا فشلت مشاريع “السلام الاقتصادي” في إنتاج شرعية مستدامة، لأنها افترضت أن الازدهار يمكن أن يحل محل العدالة، وأن الاندماج التجاري قادر على إلغاء سؤال الاحتلال، غير أن المجتمعات لا تقيس السلام بحجم الاستثمارات، بل بمدى شعورها أن النظام القائم لا يُبنى على إقصائها أو إخضاعها .

ومن هنا، لم تؤد موجات التطبيع الأخيرة إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا كما بشرت الخطابات الغربية والإسرائيلية، على العكس، توسعت الحروب غير المباشرة، وازدادت سباقات التسلح، وتعمق الانقسام الإقليمي، فيما بقيت فلسطين حاضرة بوصفها العقدة التي عجزت كل محاولات التجاوز عن محوها من الوعي السياسي والشعبي العربي، كما لم تتحول إسرائيل إلى مركز استقرار، لأن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفي لبناء نظام إقليمي مستدام، فالشرعية السياسية لا تُنتج فوق واقع دائم من الاحتلال، ولا يمكن لمنظومة تقوم على اختلال القوة أن تتحول إلى سلام تاريخي بمجرد حصولها على اعتراف رسمي.

وفي هذا السياق يمكن قراءة ما جرى داخل حركة فتح، لا كحدث تنظيمي منفصل، بل كمرآة للتحول الأوسع في النظام الفلسطيني نفسه، فالحركة التي نشأت من مشروع تحرر وطني باتت تتحرك، في جانب كبير من سلوكها، بعقل سلطة تخشى انهيار البنية الإدارية والأمنية أكثر مما تسعى إلى إعادة بناء ميزان قوة مع الاحتلال، لذلك تراجع سؤال فرض كلفة سياسية على إسرائيل، وتقدم سؤال الحفاظ على الاستقرار الداخلي ضمن شروط أوسلو، رغم التآكل الشعبي والسياسي الواسع لشرعية هذا المسار.

وهذا التحول لا يعكس أزمة قيادة فقط، بل أزمة وظيفة سياسية كاملة، فالسلطة التي كان يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو الدولة تحولت تدريجيًا إلى بنية ضبط وإدارة تحت سقف محدود، فيما فقد المشروع الوطني أدواته الجامعة بين الداخل والشتات، وبين الدبلوماسية والمقاومة الشعبية والتنظيم السياسي، وعندما تصبح المحافظة على النظام القائم هي الأولوية، تتراجع القدرة على إنتاج استراتيجية تحرر مستقلة وقادرة على فرض معادلات جديدة.

الأخطر أن المشروع الإقليمي المطروح لا يكتفي بدمج إسرائيل داخل المنطقة، بل يعيد تعريف السيادة العربية نفسها، فالدولة المقبولة هي التي تنسجم مع منظومة تقودها واشنطن وتل أبيب، بينما يُصوَّر أي رفض لهذا المسار باعتباره تهديدًا للاستقرار أو خروجًا عن “الواقعية السياسية”، وهكذا تتحول السيادة من حق سياسي مستقل إلى وظيفة مشروطة بالاندماج في ترتيب إقليمي غير متكافئ.

غير أن التاريخ لا يمنح الشرعية لمن يملك القوة وحدها، فالأنظمة التي تُبنى على الخضوع قد تنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها تظل أنظمة قلقة لأنها تعجز عن معالجة جذور الصراع، والسلام الحقيقي لن يولد من مطالبة الشعوب بالتخلي عن حقوقها مقابل وعود بالأمن والازدهار، بل من نظام يعترف بأن العدالة ليست عبئًا على الاستقرار، بل شرطه الأول .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :