السياحة الداخلية أولوية ملكية هاشمية
نايف استيتية
20-05-2026 04:17 PM
يحتفل الأردنيون، بالعيد الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، متطلعين بعزيمة وأمل نحو مستقبل أكثر إشراقاً وإنجازاً لوطنهم، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، وعلى يمينه سمو ولي العهد، وفي هذه العجالة وددت الوقوف على جانب مهم من عوامل رفد المسيرة الاقتصادية للدولة الأردنية، تلك التي أراها متمثلة بالسياحة المحلية، إذ يحظى قطاع السياحة المحلية برعاية ملكية باعتباره رافدا حيويا للاقتصاد الوطني، حيث يوجه جلالة الملك عبدالله الثاني باستمرار لتطوير المنتج السياحي، وتعزيز تنافسية الأردن كوجهة عالمية.
شهد القطاع السياحي منذ تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، سلسلة من المبادرات والبرامج لتطويره والارتقاء به، والتي جاءت إدراكاً من جلالته بأهمية السياحة الداخلية في تحقيق قفزات نوعية بالنمو الاقتصادي، وتحضرني في هذه الآونة صورة جلالة الملك وهو يقوم في مطلع الألفية الثانية بجولة في أنحاء المملكة بواسطة دراجة سلط خلالها الضوء على المواقع السياحية والأثرية الهامة في المملكة، ساعيا بجهوده المتواصلة الى صناعة السياحة الفريدة والجذابة ما يسهم في مسيرة التنمية الشاملة، يضاف إلى ذلك زيارات عديدة قام بها إلى المواقع السياحية في مختلف محافظات المملكة.
وفي إطار تلك الجهود كانت السياحة الداخلية حاضرة بقوة على أجندة جلالة الملكة رانيا العبدالله التي أكدت في أكثر من مناسبة بأن وجود هيئات محلية تعنى بالسياحة لكل منطقة يساعد على ابراز الخصوصية السياحية لها وكذلك يساعد على تنميتها بما يتناسب مع ما يتوفر فيها من امكانيات ويعمل على توفير فرص عمل لأبناء المنطقة، ومؤخرا زارت جلالتها منطقة سحم الكفارات في إربد، والتقت مجموعة من الشباب والشابات وشاركتهم جولة على الأقدام ضمن أحد المسارات الطبيعية في المنطقة المطلة على نهر اليرموك.
وفي هذا الصدد أيضا حري بنا الإشادة بجهود سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في دعم السياحة الداخلية عبر العديد من الوسائل والتوجيهات السديدة، التي ترجمها عمليا على أرض الواقع من خلال قيامه بزيارات ميدانية للعديد من المواقع السياحية في شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط المملكة، فضلا عن دعمه للعديد من البرامج الوطنية التي تستهدف تشجيع المواطنين على المشاركة في فعالياتها والقيام بزيارات الى المناطق السياحية الأثرية في الأردن وبأسعار رمزية، وبهدف دعم وتحفيز السياحة الداخلية وتوفير فرص العمل للأردنيين، رعى سموه حفل إطلاق برنامج "أردننا جنة" الذي أطلقته وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة، كما تحضرني زيارة سموه إلى وادي النمل، ومؤخرا الى محمية غابات اليرموك، وغيرها مما يؤكد أن اهتمام سمو ولي العهد بالسياحة يعكس رؤية وطنية متقدمة تقوم على استثمار المقومات الطبيعية والأثرية في المحافظات وتحويلها إلى فرص إنتاجية تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل للشباب، ومثل هذه الزيارات إنما أراد منها سموه توجيه رسالة للمواطنين في كل مناطق المملكة لزيارة المناطق السياحية في المملكة واستثمار الإجازات والمناسبات الوطنية.
وغني عن القول أن ذلك كله سيؤدي الى تنمية السياحة الداخلية وتنمية المحافظات ومناطق الاطراف لخلق فرص عمل للشباب، وتشجيعهم على الاقبال المتزايد على مراكز التدريب المهني والتقني وتعزيز مهاراتهم الرقمية والبدء بتأسيس مشاريعهم الريادية الصغيرة الخاصة، مما ينجم عنه رفع الناتج المحلي وتنمية الاقتصاديات الوطنية وزيادة تنافسية هذا القطاع، ومما لا شك فيه أن المسؤولية لتحقيق ذلك هي مسؤوليات مشتركة تقع علينا كمواطنين ومؤسسات وشركات في الترويج للسياحة الداخلية خاصة خلال فصل الصيف تزامنا مع عطل المدارس والجامعات إضافة إلى عطلة عيد الأضحى المبارك وقدوم المغتربين، كما يمكن للشركات الكبرى أن تساهم في رفد قطاع السياحة الداخلية من خلال توجيه عقد الاجتماعات السنوية ودعم برامج تحفيز العاملين فيها بحيث تكون في مناطق سياحية داخلية في مختلف المحافظات وبالتالي لا بد من تكثيف الحملات التسويقية والترويجية والاعلانية عبر مختلف القنوات المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي كافة ليشاهدها المواطن ويتشجع على اختيار وجهته السياحية الداخلية ضمن اسعار تفضيلية مناسبة لدخول المواطنين.
مما سبق تأكيد على حقيقة نهضة القطاع السياحي في المملكة حيث سجل تقدما ملموسا وتطورا مستمرا في مختلف المجالات، ومع هذا كله فإن الطموحات الملكية تسعى إلى المزيد خاصة في ظل رؤية التحديث الاقتصادي وما اشتملت عليه من أهداف منها زيادة الناتج المحلي الإجمالي وإيجاد فرص العمل للشباب في تلك المناطق الواقعة في الأطراف، وهنا أيضا لا بد من إعادة التأكيد على أهمية الشراكة الحقيقية و المتجذرة بين القطاعين العام والخاص لدعم القطاع السياحي في إطاره الداخلي.
إن بلدنا غني بالمواقع السياحية الجاذبة التي يجب أن تكون وجهة كل مواطن لقضاء الأوقات الممتعة في مناطق تاريخية وأثرية وحضارية، ففي الطفيلة "محمية ضانا" والكرك "القلعة"، ووادي رم ووادي عربة والمحميات التابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة، ولنا في جمال عجلون وجبالها وقلعتها، وجرش، ومادبا، وأم الجمال في المفرق، وأم قيس وغيرها في اربد وقصر شبيب ومنطقة بيرين في الزرقاء، وقلعة الأزرق "قصر الأزرق" أحد أبرز القلاع التاريخية في الأردن، والمثلث الذهبي أيضًا من أهم الوجهات السياحية في الأردن، وتصنيف مواقعه كمناطق خضراء يساهم في زيادة الإقبال على السياحة الداخلية، وغيرها من المناطق التي تمتاز بجمالها الخلّاب، وكل هذا يدفعنا لدعم هذا القطاع ودعوة المواطنين لزيارتها على مدار العام وخاصة في العطل والمناسبات للاستمتاع والإطلاع على تاريخ وحضارة الأردن الغنية.
ما وددت التأكيد عليه هو ضرورة التحرك باتجاه دعم هذا القطاع في كافة محافظات المملكة خاصة في الأطراف وذلك استجابة لتوجيهات جلالة الملك بدعم الشباب وأفكارهم الريادية في هذه المناطق وذلك لتمكينهم من إنشاء مشاريع انتاجية مع ضرورة تمكينهم من ديمومة هذه المشاريع واستمراريتها خاصة في القطاع السياحي، ولعل أهمية دعم السياحة الداخلية يكمن في مساهمة ذلك بحل مشكلة البطالة من خلال دعم برامج التشغيل الذاتي من خلال خلق وظائف جديدة ودعم الشباب في أفكار ومشاريع جديدة تكتسب صفة الديمومة والاستمرارية، وينسجم ذلك برأيي مع توجيهات سمو ولي العهد بضرورة أثراء المخزون الفكري والمعرفي للشباب وتطوير مهاراتهم التقنية والمهنية عبر دورات متخصصة تستهدف تنمية معارفهم وإمدادهم بالعون والدعم خاصة وأن شبابنا اليوم متحمس بهمة ونشاط وقادر على إثبات ذاته وقدراته في تنفيذ مشاريع تعود عليه بالنفع والفائدة وعلى منطقته بمزيد من مؤشرات التنمية المستدامة، ذلك أن تدريب الكوادر البشرية المدربة بشكل جيد تمثل عاملا أساسيا في نجاح القطاع وهذا يتطلب توفير برامج تدريبية متخصصة في مجال الضيافة والخدمات السياحية، وبكل وضوح فإن هذه التوجيهات السامية تمثل خطوة هامة نحو تحسين تجربة السياح وتنشيط القطاع السياحي في الأردن، مع التركيز على تعزيز السياحة الاستشفائية عبر الشراكة مع القطاع الخاص.
في ظل تداعيات الأحداث الإقليمية والدولية، وتفاقم حدة الصراع في العالم والحروب التي تدور رحاها في كل مكان، نخلص إلى حقيقة إن الاحتفال بالأعياد الوطنية، إنما ننظر إليه من زاوية السياحة المحلية كرافد من روافد دعم الاقتصاد الوطني، وهذا يحتم علينا الاستجابة لتوجيهات قيادتها الهاشمية، مما يستوجب على الجهات المعنية وأخص وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة، باتخاذ كافة التدابير التي تشجع المواطن على القيام بواجبه الوطني في دعم السياحة المحلية لما لها من دور في معالجة مشكلة البطالة من خلال إيجاد فرص عمل للشباب في هذا القطاع الحيوي ودعم أفكارهم الريادية ودعم مشاريعهم الصغيرة في هذا القطاع الحيوي الهام خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة والعالم.
* وزير العمل الأسبق