تجربة وزارة الأوقاف .. نموذج رائد في إدارة الأصول
د. جعفر النسور
21-05-2026 12:42 PM
تمكنت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية من إعادة صياغة مفهوم إدارة الأصول العامة ضمن مقاربة حديثة تجمع بين البعد الشرعي والجدوى الاقتصادية، واعتقد انها نجحت في بناء نموذج استثماري متقدم تجاوز الإطار التقليدي لإدارة الوقف، متجهًا نحو فلسفة اقتصادية تقوم على تعظيم العوائد، وضمان استدامة الموارد، وتوسيع الأثر التنموي والاجتماعي.
اعتمدت الوزارة مقاربة حديثة في تنمية أموال الوقف، تستلهم مرونة القطاع الخاص وقدرته على توليد عوائد مستدامة، إذ لم يقتصر دور دائرة تنمية أموال الأوقاف، بوصفها الذراع الاستثماري للوزارة، على الإدارة التقليدية للأراضي والعقارات الوقفية، بل اتسع ليشمل تبنّي استثمارات أكثر كفاءة وفاعلية في مجالات التطوير العقاري، والتأجير المنتهي بالتمليك، وإقامة شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، ضمن صيغ تمويلية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
أعاد هذا التحول رسم ملامح الأداء المالي، إذ أسهم في تحقيق نتائج لافتة وعوائد مرتفعة، عكست بوضوح نجاح هذا التوجه في رفع كفاءة إدارة الأصول الوقفية. وقد أفضى ذلك إلى مستويات أداء في بعض الجوانب بدت أقرب إلى ما تحققه مؤسسات القطاع الخاص، الأمر الذي يعزز مكانة هذا النموذج بوصفه خيارًا استثماريًا أكثر فاعلية واستدامة.
وتكشف التفارير السنوية للدائرة ،عن حجم التحول الذي يشهده القطاع الوقفي، إذ نفّذت الدائرة مشاريع استثمارية بملايين الدنانير، توزعت على قطاعات حيوية تشمل المجمعات التجارية، والمدارس، والمستشفيات، والفنادق، والمخازن، والمشاريع السكنية وغيرها .
ولم تقتصر أهمية هذه المشاريع على بعدها الاستثماري فحسب، بل امتدت إلى أثرها الاقتصادي المباشر، حيث أسهمت في توفير أكثر من 21 ألف فرصة عمل، بما يعكس قدرة الأصول الوقفية على التحول إلى أداة إنتاج وتشغيل وتحريك للنشاط الاقتصادي المحلي.
لكن التحول االاهم داخل المنظومة الوقفية يتمثل في تجربة الوقف النقدي، التي تُعدّ واحدة من أكثر أدوات الاستثمار الوقفي تطورًا وحداثة. فقد أنشأت الوزارة صندوقًا تمويليًا للوقف النقدي يعمل بصورة أقرب إلى بنك استثماري مصغّر، يهدف إلى المحافظة على أصول الوقف النقدي وتنميتها عبر صيغ تمويل واستثمار متوافقة مع الشريعة الإسلامية، مثل المرابحة، والإجارة المنتهية بالتمليك، والمساومة.
ووفق البيانات المتاحة، تجاوزت موجودات صندوق الوقف النقدي بعض السنوات نحو 30.6 مليون دينار، فيما تجاوزت قيمة التمويلات المقدمة 20.5 مليون دينار، وحقق الصندوق أرباحًا قاربت 1.5 مليون دينار بنسبة عائد بلغت بالمتوسط 5.5 بالمئة. وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية إذا ما قورنت بعمر الصندوق الحديث نسبيًا، إذ بدأ عمله مطلع عام 2021، ما يعني أنه تمكن خلال فترة قصيرة من بناء قاعدة مالية واستثمارية متنامية.
كما لا يكتفي الصندوق بالاحتفاظ بالأموال بصورة جامدة، بل يعمل على إعادة تدويرها عبر أدوات التمويل والاستثمار، بما في ذلك المساهمة في البنوك الإسلامية وإنشاء محافظ استثمارية في بورصة عمّان، في مؤشر على انتقال الأوقاف من مفهوم إدارة العقارإلى مفهوم أكثر تطورًا يقوم على إدارة المحافظ والأصول الاستثمارية. ويقدّم الصندوق برامج تمويلية خاصة لموظفي القطاع العام بصيغ مرابحة وبشروط تفضيلية نسبيًا، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا إلى دوره الاستثماري.
تُعدّ تجربة الاوقاف نموذجًا يمكن تطبيقه في البلديات، من خلال إنشاء صناديق استثمارية تعتمد مقاربة اقتصادية حديثة باتت ضرورة ملحّة في المرحلة الراهنة، تقوم على تعظيم العوائد وإعادة توظيف الأصول البلدية ضمن مشاريع إنتاجية مدرّة للدخل، خاصة في ظل ما تمتلكه العديد من البلديات من أراضٍ ومواقع استراتيجية ذات قيمة استثمارية مرتفعة، مقابل ما تواجهه من تحديات مالية متراكمة، وارتفاع في مستويات المديونية، وضعف في الإيرادات الذاتية.
بدو أن المعادلة التقليدية لإدارة الأصول العامة لم تعد كافية ، إذ يتجه المستقبل نحو مؤسسات عامة أكثر قدرة على الاستثمار والإنتاج وتحقيق العوائد. وهو ما نجحت وزارة الأوقاف، في تقديري، في تجسيده كنموذج عملي في هذا المجال.