الغاز الطبيعي والغاز المسال (LNG): الفروقات والأهمية الاقتصادية للأردن
م. عبدالفتاح الدرادكة
21-05-2026 06:04 PM
يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الغاز الطبيعي والغاز المسال، خصوصًا مع تصاعد أهمية أمن الطاقة عالميًا، إلا أن الخلط بين المفهومين لا يزال قائمًا حتى لدى بعض من يتحدثون في هذا الملف. ومن هنا تأتي أهمية توضيح الفرق بينهما، خاصة في الحالة الأردنية التي تمثل نموذجًا مهمًا في إدارة ملف الطاقة.
الغاز الطبيعي هو الغاز الذي يُستخرج مباشرة من الحقول الغازية تحت الأرض أو من أعماق البحار، ثم يُنقل عبر شبكة من الأنابيب إلى مراكز الاستهلاك، سواء لمحطات توليد الكهرباء أو للمصانع أو للاستخدامات المنزلية. هذا النوع من الغاز يُعد الخيار الأقل كلفة عندما تكون الدولة مرتبطة مباشرة بمصدر الإنتاج عبر خطوط الأنابيب.
أما الغاز المسال، أو ما يعرف بـ Liquefied Natural Gas (LNG)، فهو في الأصل غاز طبيعي، لكنه يخضع لعملية تبريد شديدة تصل إلى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر، فيتحول من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة. هذه العملية تقلل حجمه بشكل كبير جدًا، بحيث يصبح كل متر مكعب واحد من الغاز المسال معادلًا لحوالي 600 متر مكعب من الغاز الطبيعي في حالته الغازية، ما يجعل نقله عبر السفن ممكنًا وفعالًا اقتصاديًا لمسافات بعيدة.
هذا التحول هو ما سمح لدول بعيدة عن حقول الغاز، مثل دول أوروبا وجنوب شرق آسيا، بالحصول على احتياجاتها من الطاقة عبر استيراد الغاز المسال من دول منتجة مثل قطر، التي تمتلك نحو ربع الاحتياطي العالمي من الغاز، إضافة إلى الجزائر واستراليا والمكسيك وغيرها.
وهناك خطأ شائع يقع فيه البعض وهو مقارنة سعر الغاز الطبيعي المحلي أو المنقول بالأنابيب مع سعر الغاز في البورصات الأمريكية، والادعاء بأن الأسعار المحلية مبالغ فيها. هذه مقارنة غير دقيقة؛ لأن السعر المتداول في السوق الأمريكية، مثل مؤشر Henry Hub، يعكس سعر الغاز داخل الولايات المتحدة وكندا فقط، حيث توجد شبكة أنابيب ضخمة وسوق تنافسية محلية، ولذلك يتراوح السعر عادة بين 2 إلى 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
أما إذا أرادت الولايات المتحدة تصدير هذا الغاز إلى الخارج، فلا بد من تسييله أولًا، وهنا تضاف تكاليف التسييل والشحن وإعادته الى الحالة الغازية ، ليصبح السعر خاضعًا لمؤشرات الغاز المسال العالمية مثل مؤشر JKM الخاص بأسواق اليابان وكوريا الجنوبية، أو مؤشرات نشرة بلات العالمية، والتي قد ترفع السعر إلى مستويات أعلى بكثير.
وقد شهد العالم ذلك بوضوح خلال بداية الحرب الروسية الاوكرانية ، حين قفزت أسعار الغاز المسال إلى ما بين 80 و90 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، قبل أن تعود وتنخفض لاحقًا. أما اليوم فتدور الأسعار حول 14 دولارًا تقريبًا، وهي لا تزال أعلى بكثير من أسعار الغاز الطبيعي المنقول عبر الأنابيب.
في الحالة الأردنية، تمتلك المملكة مصدرين رئيسيين للغاز الطبيعي عبر الأنابيب: الأول من مصر عبر خط الغاز العربي، والثاني من غاز شرق المتوسط عبر الاتفاقيات القائمة مع شركات مثل شيفرون (بعد استحواذها على نوبل إنرجي). وتبلغ كلفة هذا الغاز في الظروف الحالية حوالي 7.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أقل بكثير من الغاز المسال.
أما عند تعطل هذه المصادر أو نقصها، فيلجأ الأردن إلى استيراد الغاز المسال عبر ميناء الغاز المسال في العقبة(ميناء الشيخ صباح الاحمد)، والذي افتُتح عام 2015 بعد إنشائه بتمويل كويتي من خلال المنحة الخليجية في حينه . وقد شكّل هذا المشروع نقلة استراتيجية كبيرة، إذ منح الأردن مرونة عالية في تأمين احتياجاته من الطاقة من الأسواق العالمية.
ورغم أن الغاز المسال أغلى من الغاز الطبيعي عبر الأنابيب، إلا أنه يبقى أوفر بكثير من استخدام الوقود التقليدي مثل الديزل أو زيت الوقود الثقيل، حيث يحقق وفرًا يتراوح بين 30% و40% في كلفة توليد الكهرباء.
وقد انعكس ذلك بشكل واضح على الاقتصاد الأردني؛ فقبل وصول الغاز الطبيعي من شرق المتوسط، كان بند فرق أسعار الوقود يظهر بشكل متكرر على فاتورة الكهرباء، ووصل في بعض الفترات إلى نحو 25 فلسًا لكل كيلوواط ساعة. أما بعد بدء تدفق الغاز، فقد اختفى هذا البند تقريبًا، ما وفر على الخزينة الأردنية مليارات الدنانير، تُقدّر بأكثر من اربعة مليارات خلال السنوات الأخيرة.
الخلاصة أن فهم الفرق بين الغاز الطبيعي والغاز المسال ليس مجرد تفصيل فني، بل مسألة أساسية لفهم سياسات الطاقة وتكاليفها. وبينما يبقى الغاز الطبيعي عبر الأنابيب الخيار الأرخص، فإن الغاز المسال يمثل شبكة الأمان الاستراتيجية التي تضمن استمرارية التزويد وحماية أمن الطاقة الوطني.والله من وراء القصد