غاليري اطلالة اللويبدة كفضاء فني ثقافي مابعد حداثي
د. تيسير المشارقة
22-05-2026 07:54 PM
يُنظر إلى "غاليري إطلالة اللويبدة" لصاحبه الفنان التشكيلي المرموق كمال ابو حلاوة ، بوصفه واحدًا من الفضاءات الثقافية التي أعادت تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع في عمّان.
هذا التقدير للغاليري في عمارة رقم ٢ بالقرب من حديقة اللويبدة والمتحف الوطني الاردني، ومنزل رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز(المتذوّق الأصيل للفنون في المملكةالهاشمية) ، لا باعتباره معرضًا تقليديًا فحسب، بل كمركز ثقافي مفتوح تتداخل فيه الفنون التشكيلية مع الموسيقى والشعر والورشات المجتمعية.
وهذا التداخل يقترب من تصوّرات “ما بعد الحداثة” التي ترفض الفصل الصارم بين الفنون والنخب الثقافية والجمهور اليومي، وتُعلي من فكرة التعدد والتجريب وعملية والتحديث الثقافية. وكان لمعرض الفنان التجريدي خيري حرزالله انطلاقة جديدة وبعث جديد للغاليري.
في قلب جبل اللويبدة، الحيّ المعروف بذاكرته الثقافية والعمارات التراثية، نشأ الغاليري داخل بيت قديم يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ثم تحوّل إلى مساحة تستضيف الرسامين والموسيقيين والهواة والفعاليات الأدبية. وتشير تقارير محلية إلى أنّ المكان “اعتمد لدى وزارة الثقافة كمعلم ثقافي وفني”، كما يحتضن مهرجانات شعرية وورشًا فنية متنوعة. ويتم تجهيز المكان لاستضافة دورية فصلية لخمسة فنانين عالميين في العاصمة الأردنية ( عمان) وتم تجهيز اقامة سكن لهم في احد احياء عمّان الناهضة بالقرب من جامعة البترا.
ومن منظور نقدي، يمكن قراءة الجاليري كمثال على الفضاء “ما بعد الحداثوي” في المدينة العربية وعمان انموذجاً لعاصمة الفن العربي الحديث؛ إذ لم يعد الفن فيه مقتصرًا على اللوحة الكلاسيكية أو العرض النخبوي، بل أصبح نشاطًا تفاعليًا يدمج الهواة والمحترفين والجمهور العابر فيما نسميه نحن " دمقرطة الفن" . ففي ملتقيات الفن التشكيلي التي نظمها الجاليري، أكّد المشاركون في الملتقى على أهمية “تبادل الخبرات” وخلق فضاءات مفتوحة للتجريب والتعلّم الجماعي.
ونريد أن نشير هنا الى أن الجاليري يرتبط بالسياق الثقافي الأوسع لجبل اللويبدة. هذا الجبل العتيق الذي تحوّل خلال العقدين الأخيرين إلى مركز للحراك الفني البديل في عمّان. وانتشرت فيه بشكل واسع المقاهي الثقافية والمعارض والمساحات المستقلة. هذا التحول يعكس سمات "ما بعد الحداثة" العمرانية والثقافية، القائمة على إعادة توظيف البيوت القديمة وتحويلها إلى فضاءات إبداعية هجينة تجمع بين التراث والحداثة. لقد ظهرت نقاشات مجتمعية واسعة حول تغيّر هوية اللويبدة وصعودها كحي ثقافي وفني معاصر.. وهذا ما يعطي غاليري اطلالة اللويبدة الميزة النسبية ما بعد حداثوية عربيا وعالمياً. ويذكرنا بمركز جورج بومبيدو في باريس الذي صنع بأسلوبه الجديد طريقاً مختلفاً لعملية دمقرطة الفن التي ذكرناها آنفاً، ومنها اساليب العرض المغايرة.
وبناء على كل ما ذكرناه، فإنّ @جاليري إطلالة اللويبدة @ لا يمثل مجرد صالة عرض بسيطة وحسب ، بل نموذجاً مصغّراً لتحولات الثقافة البصرية في عمّان؛ حيث يلتقي الفن بالحياة اليومية. وصارت العرض الفني في هذا الغاليري له ما قبله وله "المستقبل ما بعده". صار لأي عرض هناك مكانة تدخله التاريخ البصري كفن جديد في الأردن. وتتحوّل اللويبدة بذلك الى مكان تراثي ومنصة للتجريب والتفاع