الأردن .. الدولة التي أرهقتها مكاتبها
مالك العثامنة
23-05-2026 01:30 PM
منذ هبة الدوار الرابع عام 2018 وحتى اليوم، لم تكن أزمة الأردن في تغيير حكومة أو تعديل وزاري أو استبدال رئيس برئيس، فهذه كلها أعراض لمرض أعمق من الأسماء، وأقدم من الحكومات، وأشد خطرا من قانون ضريبة أو قرار إداري أو خطاب تكليف. كانت الأزمة، وما زالت، في سؤال الدولة نفسها، أين تقف الدولة من دستورها، وأين تقف الحكومة من ولايتها العامة، وأين يقف المواطن من حقه في أن يكون شريكا في الدولة لا موضوعا لإدارتها، وهل نحن أمام دولة مؤسسات وقانون، أم أمام دولة مكاتب، تتعدد فيها المرجعيات، وتتداخل فيها الصلاحيات، حتى يصبح القرار شبحا يمشي في الممرات ولا يوقع باسمه أحد.
في عام 2018 خرج الناس إلى الدوار الرابع، ولم يكن الدوار مجرد مكان، بل صار رمزا لمعادلة اختلت طويلا بين المواطن والحكومة، كان العنوان المباشر هو الضريبة، لكن الغضب الحقيقي كان أوسع من الجباية، كان غضبا من شعور عميق بأن الدولة تطلب من الناس ما لا تمنحهم مقابله، تطلب الثقة ولا تقدم الشفافية، تطلب الصبر ولا تقدم العدالة، تطلب الالتزام ولا تقدم شعورا بأن القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع، ولذلك سقطت حكومة هاني الملقي، وجاءت حكومة عمر الرزاز كأنها وعد أخير بأن شيئا ما يمكن أن يتغير.
"الأردن ليس بلدا فقيرا بالأوراق، ولا يعوزه إنتاج العناوين الكبرى، مشكلته الدائمة أن الورق يسبق الواقع بمسافة طويلة، وأن الخطاب الإصلاحي كثيرا ما يصل إلى الناس قبل أن تصل إليهم نتائجه"
غير أن الرزاز، بكل تهذيبه وثقافته وقدرته على صياغة لغة الدولة المدنية، دخل إلى ماكينة أقدم منه وأقوى منه، ماكينة تعرف كيف تلتهم الأفكار وتعيد إنتاجها كعبارات، وكيف تحول الإصلاح من فعل سياسي إلى وثيقة عمل، وكيف تجعل رئيس الحكومة منشغلا بإطفاء حرائق يومية لا تنتهي، بدل أن يكون صاحب مشروع يغير قواعد اللعبة، وحينها بدا واضحا أن المشكلة ليست في شخص الرئيس فقط، بل في موقع الرئاسة نفسه، وفي ولاية عامة نص عليها الدستور، ثم تركها الواقع معلقة بين مكاتب الدولة ومراكز القوة وشبكات النفوذ.
ولذلك لم تكن معضلة الأردن، منذ الدوار الرابع وحتى اليوم، في تغيير حكومة أو تعديل وزاري أو استبدال اسم بآخر، بل في استعادة الدولة نفسها من حالة التعليق التي عاشتها طويلا بين النص الدستوري والواقع العملي، فالمنطقي، بل الضروري، أن يقوم الملك، بصفته رأس الدولة وحامي سلطاتها الثلاث، بما يكفي لإنقاذ الدولة، أو بالأحرى والأدق، استعادة تلك الدولة ووضعها في سياقها الدستوري الصحيح، لتبدأ الضرورة المرحلية والتاريخية لدولة المؤسسات والقانون، الدولة المدنية التي لا يكون فيها الدستور زينة لغوية في الخطب، ولا تكون الولاية العامة امتيازا نظريا لرئيس الحكومة، بل قاعدة حكم فعلية، تجعل الحكومة مسؤولة لأنها تملك، وتجعل البرلمان رقيبا لأنه يمثل، وتجعل المواطن شريكا لأنه صاحب حق لا مجرد متلق للتوجيهات.
ثم جاءت حكومة بشر الخصاونة، وجاء معها زمن ثقيل، زمن كورونا أولا، ثم زمن إدارة الأزمات المتتابعة، وفي تلك المرحلة ظهر وجه الدولة القادرة على الضبط والسيطرة، لكنه لم يكن بالضرورة وجه الدولة القادرة على بناء الثقة، فالسيطرة لا تكفي لصناعة شرعية، والتعليمات لا تكفي لصناعة قانون، والطوارئ لا تصلح أن تكون فلسفة حكم طويلة، وقد خرج الأردن من الجائحة أكثر احتياجا إلى السياسة، لا أقل، وأكثر احتياجا إلى فتح المجال العام، لا إلى تضييقه، وأكثر احتياجا إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة، لا على قاعدة الخوف المتبادل.
"المطلوب اليوم ليس المزيد من العناوين، بل قيادات إدارية حقيقية أثبتت نجاحها في مؤسسات عديدة، وامتحنت قدرتها في تحويل الفكرة إلى إجراء، والإجراء إلى أثر، والأثر إلى ثقة عامة"
في سنوات الخصاونة خرجت ثلاثية التحديث السياسي والاقتصادي والإداري إلى الواجهة، وهي ثلاثية تبدو، على الورق، كأنها محاولة جادة للذهاب إلى المستقبل، قانون أحزاب، قانون انتخاب، رؤية تحديث اقتصادي، وخارطة طريق لإصلاح الإدارة العامة، لكن الأردن ليس بلدا فقيرا بالأوراق، ولا تنقصه اللجان، ولا يعوزه إنتاج العناوين الكبرى، مشكلته الدائمة أن الورق يسبق الواقع بمسافة طويلة، وأن الخطاب الإصلاحي كثيرا ما يصل إلى الناس قبل أن تصل إليهم نتائجه، فيتحول التحديث من وعد إلى اختبار ثقة، ومن فرصة إلى سؤال قاس، هل نحن أمام تحول حقيقي، أم أمام إدارة جديدة للأدوات القديمة.
جاءت انتخابات 2024 لتكشف جزءا من هذا السؤال، فقد فتح قانون الانتخاب الباب أمام حضور حزبي أوضح، لكن الفراغ السياسي الطويل لا يمتلئ دفعة واحدة بأحزاب ولدت في المختبر، والمجتمع الذي تم تعويده طويلا على السياسة الناقصة لا يصبح حزبيا بقرار رسمي، لذلك صعدت جبهة العمل الإسلامي لا لأنها وحدها تملك جواب المستقبل، بل لأنها الأكثر تنظيما في فراغ واسع، ولأن غزة أعادت شحن المزاج العام بلغة الغضب والهوية، ولأن الأحزاب الجديدة لم تقنع الناس بعد بأنها خرجت من رحم المجتمع لا من رحم الترتيبات، وهنا تبدو المفارقة أن الدولة التي أرادت حزبية آمنة وجدت نفسها أمام نتيجة أقل أمنا من خيالها الأول.
"جعفر حسان لا يحتاج إلى أن يثبت أنه يعرف الدولة، بل يحتاج إلى ما هو أصعب، أن يثبت أن معرفة الدولة لا تعني الخضوع لأعطالها، وأن القرب من مركز القرار لا يعني البقاء أسير منطقه القديم"
أما التحديث الاقتصادي، فهو الامتحان الأصعب، لأن الناس لا تأكل الخطط، ولا تدفع فواتيرها من البلاغة، ولا تقيس الدولة بعدد المؤتمرات، بل بما يتغير في حياتها، فالبطالة ليست رقما في تقرير، والدين العام ليس بندا في موازنة، والفقر ليس مادة خطابية، والمشاريع الكبرى، من السكك الحديدية إلى الناقل الوطني إلى المدينة الجديدة، ليست صورا ولا مجسمات، بل اختبار لمعنى الدولة وقدرتها على التنفيذ، وعلى تحويل المشروع من عنوان حكومي إلى أثر يومي في السوق والعمل والحياة.
غير أن الإصلاح الاقتصادي، مهما بدا واسع الطموح ودقيق الأرقام، لا يستطيع أن ينتج معناه الحقيقي من دون إصلاح إداري عميق، فالإدارة العامة ليست تفصيلا فنيا في جسم الدولة، بل هي الجهاز العصبي الذي تمر من خلاله كل السياسات والقرارات والمشاريع، و لا يستقيم العمل إذا بقيت الإدارة العامة تعمل بعقلية الأمس، أو بقيت الاستراتيجيات حبيسة الأوراق والحوارات والخطط الموضوعة بعناية لغوية أكثر من عنايتها بآليات التنفيذ، فالمطلوب اليوم ليس المزيد من العناوين، بل قيادات إدارية حقيقية أثبتت نجاحها في مؤسسات عديدة، وامتحنت قدرتها في تحويل الفكرة إلى إجراء، والإجراء إلى أثر، والأثر إلى ثقة عامة، وهؤلاء بالذات يجب أن يذهب الضوء إليهم في أي تعديل محتمل هذه الأيام، لا بوصفهم أسماء لملء الفراغات، بل بوصفهم حاملين لتجارب ناجحة يمكن نقلها إلى قلب الدولة، لأن الاقتصاد لا ينهض بخطة جيدة فقط، بل بإدارة قادرة على تنفيذها، وحمايتها من الترهل، ومن مقاومة المصالح، ومن ذلك الموت البطيء الذي يصيب الأفكار الكبيرة حين تدخل دهاليز البيروقراطية.
وهنا لا بد من إعادة تعريف العلاقة مع القطاع الخاص، لا باعتباره خصما للدولة ولا بديلا عنها، بل جزءا من الدولة بمفهومها الصحيح، فمن حق الدولة أن تطلب من القطاع الخاص تحمل جزء من عبء الاقتصاد الوطني، فهذا مطلب شرعي وضروري، لكن من حق القطاع الخاص أيضا أن يجد تشريعات تنصفه وتحميه من تغول الاستغلال الوظيفي والسياسي، ومن حق الدولة، في المقابل، أن تحمي نفسها والمجتمع من تغول بعض القطاع الخاص حين يتحول المال إلى نفوذ، والنفوذ إلى قانون غير مكتوب، فالعلاقة الصحيحة لا تبنى بالمجاملات ولا بالولائم ولا بالغرف المغلقة، بل بقانون يرسم الحدود ويحمي الجميع.
اليوم، مع حكومة جعفر حسان، لا يمكن قراءة المشهد بالمعايير القديمة وحدها، فالرجل آت من داخل المطبخ العميق للدولة، لا من هامشها، ويعرف خرائط القرار، ومسالك التعطيل، وطبائع المكاتب التي تكبر أحيانا على المؤسسات، ولذلك تبدو حكومته أمام امتحان مختلف، ليس امتحان إدارة يومية ولا امتحان بلاغة في تنفيذ التحديث، بل امتحان قدرة المدرسة ذاتها التي أنتجت جزءا من المشكلة على أن تنقلب على أعطالها، فالصراع لم يعد بين حكومة ومعارضة بالمعنى التقليدي، بل بين قوى الوضع القائم وقوى التغيير نحو الأمام، نحو تحريك الجامد في الدولة، فبينما تملك قوى التغيير، أو يفترض أن تملك، رؤى قابلة للتطبيق نضجت تحت ضغط الاقتصاد والمجتمع والإقليم، تبدو قوى الوضع القائم خاوية على مصالحها المتآكلة، خالية اليدين من أي مشروع حقيقي، ومع ذلك لا تزال قادرة على افتعال حروب صغيرة وأزمات جانبية بشراسة من أجل البقاء.
جعفر حسان لا يحتاج إلى أن يثبت أنه يعرف الدولة، فهو يعرفها أكثر مما ينبغي، ولا يحتاج إلى أن يبرهن أنه يفهم لغة المانحين والمشاريع والمؤسسات الدولية، فهذه كلها من سيرته، بل يحتاج إلى ما هو أصعب، أن يثبت أن معرفة الدولة لا تعني الخضوع لأعطالها، وأن القرب من مركز القرار لا يعني البقاء أسير منطقه القديم، وأن التحديث لا ينجح بمن يعرف الملفات فقط، بل بمن يملك شجاعة فتحها، والفرق كبير بين رئيس يدير التوازنات، ورئيس يعيد تعريفها داخل الدستور.
الأردن، في لحظته الراهنة، لا يحتمل مقايضة جديدة بين الاستقرار والإصلاح، لأن هذه المقايضة استهلكت معناها، فالاستقرار الذي لا ينتج إصلاحا يتحول إلى جمود، والإصلاح الذي لا يحمي الاستقرار يتحول إلى مغامرة، والمطلوب ليس هدم الدولة، بل تحريرها من خوفها على نفسها، فالملك لا يضعف حين تقوى الحكومة دستوريا، والحكومة لا تتمرد حين تملك ولايتها، والبرلمان لا يصبح خطرا حين يمثل الناس بجدية، والقضاء لا يزعج الدولة حين يستقل، والإعلام لا يخون حين يسأل، والمواطن لا يهدد الاستقرار حين يطلب حقه في قانون يراه ويشعر به.
لقد قطع الأردن منذ 2018 مسافة طويلة في الاعتراف غير المعلن بالأزمة، لكنه لم يقطع المسافة الكافية في معالجتها، اعترف أن السياسة تحتاج إلى تحديث، وأن الاقتصاد يحتاج إلى رؤية، وأن الإدارة العامة تحتاج إلى إصلاح، لكنه لم يعترف بعد بما يكفي بأن أصل الأزمة هو تآكل الولاية، وتعدد مراكز القرار، وتحول المؤسسات إلى واجهات لمكاتب أقوى منها، لذلك فإن استعادة الدولة لا تعني استعادة هيبتها بالعصا، بل استعادة معناها بالقانون، ولا تعني أن يعود المواطن إلى الخضوع، بل أن يعود إلى الثقة، وتلك وحدها هي المعركة الحقيقية، معركة أن يصبح الأردن دولة مؤسسات لا دولة مكاتب، ودولة مواطنين لا دولة رعايا، ودولة قانون لا دولة تعليمات، ودولة تعرف أن أخطر ما في التحولات الكبرى ليس الفقر، بل سوء قراءة اللحظة.
نقطة وأول السطر