هل ثمة بديل مكافئ للإخوان المسلمين
د.سالم الدهام
24-05-2026 08:48 AM
مرت الحياة الحزبية في الأردن بمراحل مختلفة ما بين مد وجزر، متأثرة بالظروف المحلية والإقليمية والدولية، فقد نشطت في الربع الثاني من القرن المنصرم عندما تهيأت لها البيئة المناسبة للنمو، وعندما تم تخصيب المناخ السياسي الأردني آنذاك برؤى وأفكار متنوعة ومختلفة نتيجة فتح أمير البلاد في ذلك الوقت الأبواب على مصاريعها أمام تدفق عناصر حزبية عربية مستجيرة بسمو الأمير عبدالله بن الحسين، الملك المؤسس لاحقا، كحزب الاستقلال وغيره، للمشاركة في الحياة السياسية الأردنية وبناء مؤسسات الدولة ،فازدهرت تلك الحياة في الربع الثالث من ذلك القرن، وتشكلت أبان تلك الآونة أول حكومة ديمقراطية لبت طموحات الشعب، وصاغت خطاب الدولة واتجاهاتها التي تبدَّت وطنية نازعة نحو التحرر والسيادة التامة، وكان البعد العربي القومي لونا فاقعا ومميزا حاضرا فيها ، وكلنا يعلم ما الذي حدث في تلك الآونة من ضغوط خارجية، إضافة إلى بعض الممارسات الداخلية التي أفضت إلى إقالة تلك الحكومة، وتعثر الحياة الحزبية في بلادنا، وتراجع التجربة الديمقراطية وما تبعها من تعطيل الانتخابات حتى عودتها تدريجيا ابتداء من عام 1984 حيث جرت انتخابات تكميلية لملء الشواغر التي توفي شاغلوها، ووصولا إلى انتخابات مجلس النواب الحادي عشر عام 1989 .
أما ذلك المجلس فقد كان الأصدق تمثيلا للشعب الأردني في تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية من وجهة نظري الخاصة، وكانت لحمة ذلك المجلس وسداه من الإسلاميين؛ إذ بلغ عدد نواب كتلة الإخوان فيه اثنين وعشرين نائبا، فضلا عن عدد لا بأس به من النواب الإسلاميين المستقلين الذين ربما بلغوا ستة عشر نائبا فكانوا معا المكون الأبرز في ذلك البرلمان الذي كان مجمل أعضائه ثمانين عضوا، لقد شكلوا ثقلا كميا ونوعيا في الأداء من حيث الدفاع عن حقوق المواطنين، ومحاربة الفساد، والمطالبة بالعدالة، وتعظيم دور مؤسسات الدولة في الحفاظ على التوازن بين الجميع، وعدم السماح بالتنازل عن ذلك الدور لصالح القوى الداعية للتحرر من قبضة البيروقراطية، وتشكيل مراكز نفوذ على هامش الدولة أفضت إلى ما نحن فيه الآن أقول هذا بالرغم من أنني لم أكن في يوم من الأيام من كوادر جماعة الإخوان المسلمين(جبهة العمل الإسلامي/ الأمة بعد التعديل) أو مريديهم....
وبالمقابل فمنذ مجلس النواب الحادي عشر والعقل السياسي الرسمي وأحلافه ممن لا تروق لهم أن تنحني الرؤوس تحت مظلة الدستور والقانون؛ لتستوي تلك الرؤوس في الحقوق والواجبات، وهم يسعون لتدجين الإرادة العامة للشعب، وتقليم أظافر الأحزاب الحقيقية لصالح كثير من أحزاب الخداج التي ما إن تخرج من الحاضنات حتى تموت...
وبالرغم من عمليات التقليم الجائر والقولبة المتعسفة لاحتواء ما يتمدد من الأحزاب الفاعلة خارج المربعات الهندسية المفصلة لاحتوائها ومنع انتشارها في المدن والقرى والأرياف، وإرغامها على الدخول في بيت الطاعة الزوجية، حيث الزوج رأس المال العام، والزوجة هي السلطة المغلوبة على أمرها بعقد كاثوليكي أبدي غير قابل للفصل... وبالرغم من أن الزوجين لم يتركا فرصة ممكنة إلا وعملا من خلالها على احتواء الشعب وإرادته وأحزابه الحقيقية بكل ما هو ممكن ومتاح... مرة بقانون الصوت الواحد، ومرة بالدوائر الوهمية، ومرة بالقوائم الوطنية، ثم القوائم النسبية المفتوحة، وما زال التحديث السياسي جاريا حتى اللحظة... بالرغم من ذلك كله ما زالت الأحزاب الحية تتغلغل في قواعدها أكثر من ذي قبل...
وبموازاة كل ما يسمى بعمليات التحديث السياسي تزداد الفجوة بين الخطاب الرسمي والناس، ويتراجع منسوب الثقة ومعها حجم المشاركة الشعبية في الانتخابات البرلمانية، وتتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين من الطبقة الفقيرة، ويتعاظم ذلك في ظل إصرار الحكومات المتعاقبة على تهشيم هذه الطبقة ومعها ما كان يعرف بالطبقة الوسطى صمام الأمان في كل المجتمعات، تلك الطبقة التي تحول دون التَّماس الخشن بين الطبقة الفقيرة من جهة، وبين الطبقة الأرستقراطية التي تمثل في مجتمعاتنا الطبقة السياسية النافذة من جهة أخرى... ومع ارتفاع وتيرة ما يسمى بالإصلاح السياسي المزعوم بدأنا نشهد حجم الحشد والاصطفاف والفرز العميق في المجتمع، حيث انطلقت ألسنة الحكومة من خلال كبار السياسيين مستنفدي الصلاحية من كل عقال، وبدأت تجلد الناس وتنعتهم بما لا يليق بهم كبشر أحرار لمجرد أنهم يتململون من سطوة البطالة والفقر، بينما هم ينعمون بخيرات الدولة وأبناؤهم بالمعالي وبناتهم بالعطوفة، وحق لهم أن يدافعوا ويحتضنوا الضرع الذي يحلب في (شدوقهم) المتهدلة وكروشهم المترهلة ما دام لم يجف بعد، وحق لهم أن يتوعدوا الناس بدق رؤوسهم كما تدق رؤوس الأفاعي كما يصرح بعضهم، يريدون أن يعيدونا ونحن نكتب سردية الوطن في مئويته الثانية إلى تلك الأيام التي كان الناس فيها يتغالبون بالكثرة والغزو لا بحكم القانون واستحقاقات المواطنة الصالحة...يبغونها عوجا.