المؤسسات الدولية أمام مرآة الحرب
لما جمال العبسه
23-07-2026 12:16 AM
لم يعد بوسع المؤسسات المالية الدولية الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى وكالة الطاقة الدولية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وغيرها أن تواصل تزيين السياسات الأمريكية كما اعتادت في أزمات سابقة، ولا ان تخفف من الاثار الاقتصادية والمالية والتنموية عالميا بسبب السياسات الامريكية، فالحرب الأمريكية - الصهيونية على إيران فرضت واقعاً لا يمكن تجاهله من تداعيات اقتصادية متشائمة، الى سيناريوهات قاتمة، وانكشاف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمة جيوسياسية بهذا الحجم.
هذه المؤسسات، التي غالباً ما تُتهم بأنها تساير واشنطن في خطابها، وجدت نفسها مضطرة للاعتراف بأن استمرار الحرب وتصاعدها يهددان النمو العالمي، يرفعان التضخم، ويقوضان التجارة الدولية، فالتصريحات التي صدرت مؤخرا تكشف عن خفض توقعات النمو وارتفاع أسعار الطاقة بنسبة تتجاوز 25 %، مع تحذيرات من ركود عالمي إذا استمرت المواجهة لأشهر مقبلة دون انهاء الحرب.
البنك الدولي المعروف بلهجته الحذرة خرج عن صمته أمس عبر كبير خبرائه ليؤكد أن تصاعد الحرب على إيران قد يقلّص النمو العالمي إلى أقل من النصف، هذا التصريح ليس مجرد تقدير اقتصادي، بل اعتراف بأن السياسات الأمريكية - الصهيونية تدفع العالم نحو ركود شامل، وأن الهيمنة التي تسعى واشنطن لتثبيتها تأتي على حساب استقرار النظام الدولي برمته، فإذا كان العالم يتوقع نمواً بحدود 3 %، فإن استمرار الحرب قد يهبط به إلى 1.5 % او أقل، أي إلى مستويات الركود العالمي، وبالطبع هذا الانكماش سيؤدي إلى تراجع حركة التجارة الدولية، خصوصاً في السلع الأساسية والطاقة، مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وهنا لا بد ان نذكر انه في اوائل الشهر الحالي جميع هذه المؤسسات الدولية الوارد ذكرها في المقدمة اصدرت بياناً صحفياً مشتركاً بحث تداعيات هذه الازمة، بشكل تفصيلي، والان خرج البنك الدولي ليتحدث بكل وضوح.
وهنا لا بد ان نكرر القول بأن الولايات المتحدة لا تكتفي بتجاهل مصالح دول المنطقة، بل تضرب بعرض الحائط مصالح معظم دول العالم لتثبيت مفهوم الهيمنة الأمريكية وتعزيزه، في هذا السياق، هناك تبادل ادوار واضح بين واشنطن والكيان الصهيوني الذي يظهر اما كوكيل أعمال واشنطن في الشرق الأوسط، او كربيب واشنطن التي تريد ان يكون اقوى قوة في المنطقة، وعلى اي حال فان سياسات الجهتين لا بد ان ترسم تقاطع مصالحهما في السيطرة على المضائق الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي بات اليوم محوراً استراتيجياً للحرب والاقتصاد معاً، والجميع يعلم ان هذا التحالف لا يقوم على شراكة متوازنة، بل على استغلال أمريكي لموقع الكيان الصهيوني كأداة تنفيذية لمشروع الهيمنة، في وقت تُترك فيه المنطقة تغرق في الفوضى والدماء، وتُترك الاقتصادات العالمية تواجه صدمات متتالية.
ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على المستهلك الأمريكي، ويزيد تكاليف الإنتاج، ويهدد بتراجع القدرة الشرائية. ومع اتساع فجوة الثقة بين واشنطن وحلفائها، فإن الاقتصاد الأمريكي قد يجد نفسه أمام عزلة تدريجية، حيث تتحول المكاسب السطحية إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد.
المؤسسات الدولية، رغم تاريخها في تجميل السياسات الأمريكية، لم تجد اليوم سوى الاعتراف بالسيناريوهات المتشائمة نتيجة الحرب على إيران وتعلم انها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل مشروع هيمنة أمريكية - صهيونية يفرض نفسه على العالم بأسره، أما واشنطن، فهي ماضية في مشروعها غير آبهة بمصالح العالم.
لكن السؤال يبقى مفتوحاً..هل يمكن للاقتصاد الأمريكي المثقل بالديون، ومجتمعه المنقسم، أن يتحمل تبعات هذه السياسات؟ أم أن الحرب التي أرادها ترامب لتعزيز الهيمنة ستتحول إلى عبء يقوّض مكانة أمريكا نفسها؟
الدستور