إلى أين يريدون استدراج مصر؟
ماهر ابو طير
04-10-2026 12:11 AM
لا يمكن أن تترك إسرائيل مصر في شأنها، وهي ستحاول بكل الطرق استدراجها إلى زوايا محددة تريدها، تضمن انهيار مصر، أو تجاوبها مع مخططات تريدها إسرائيل.
لقد قيل مرارا إن المخطط الجاري الحالي يليه مخطط آخر لاحقا، ضد تركيا، ومصر، وباكستان، ودول عربية، لكن مصر تحت الإضاءة بسبب عدة عوامل، أبرزها قوة الجيش المصري، حيث يُصنف الجيش المصري كأحد أقوى الجيوش في العالم، ويتبوأ المرتبة الأولى عربياً وإفريقياً وضمن قائمة أقوى 20 جيشاً عالمياً لعام 2026، وهذا سبب كاف لإسرائيل من أجل استهداف هذا الجيش إما بفتنة داخلية في مصر، أو بزجه في حرب مع إثيوبيا، التي يتم توظيفها للضغط على مصر، أو عبر أي وسيلة داخلية يمكن أن نتوقعها.
سياسة إضعاف مصر متواصلة ليل نهار على صعيد الوضع الاقتصادي، حيث تتفاقم الأزمة الاقتصادية في ظل الغلاء وعدم قدرة المصريين على العيش بشكل مناسب في بلد تأثرت فيه الإيرادات وزادت الأعباء نتيجة التوترات الإقليمية والدولية المحيطة، ويكفي أن نتحدث فقط عن كلفة أزمة باب المندب وتأثيرها على قناة السويس، من ناحية اقتصادية، حيث تبلغ ديون مصر الخارجية 161 مليار دولار، بينما يقدر الدين المحلي بنحو 11 تريليون جنيه وفقاً لآخر البيانات المعلنة، والمطالبات بالسداد تضغط بشدة على مصر، وسط التضخم وأسعار الطاقة.
لا يجوز ترك مصر وحيدة هنا على المستوى العربي، والذين يعتقدون أن الموقف من مصر يجب أن يخضع فقط للموقف من السياسة المصرية، أو حتى الموقف من الحكم في مصر، يتّسمون بالجهل، لأنهم لا يدركون أن الكلفة الإجمالية ستتجاوز أي رؤى سياسية سلبية، وسوف تمتد إلى استقرار مصر وشعبها، وتصل أيضا إلى دول الجوار مع مصر، وإلى المنظومة العربية، حيث مصر تعد ركنا أساسيا مهما فيها.
ملف غزة الضاغط على خاصرة مصر يعد جزءا من الأزمة، لأن مشاريع تهجير الفلسطينيين إلى الأردن ومصر ما تزال قائمة، وفي حسابات الأمن القومي العربي والحسابات الجيوسياسية لا يمكن لمصر أن تسمح بتهجير الفلسطينيين إلى مصر، أو إلى سيناء، ليس نفورا منهم، بل لأن هذا سيؤدي إلى نتائج كارثية على فلسطين ومصر معا، وربما ملف غزة من الملفات التي يراد مقايضة مصر عليها، لكن قبول مصر التنازل فيها سيؤدي إلى نتائج خطيرة قد تصل إلى أن تكون نموذجا قابلا للنسخ في ملف الضفة الغربية والأردن، وهذا يعني ضمنيا أن إفشال مخططات التهجير إلى مصر مصلحة أردنية، في ظل توقيت يحفل بالأخطار، والاحتمالات، وفي ظل معلومات عن مخططات لتوليد فوضى داخل مصر ذاتها.
مشكلة العقل السياسي العربي أنه يغفو في زاوية أو ملف، وليس أدل على ذلك من التركيز الآن على جبهة إيران واحتمالات العودة للحرب، لكن القراءة الأعمق يجب أن تأخذنا إلى تأثيرات هذه الحرب إذا انفجرت مجددا على مصر والأردن ودول أخرى، خصوصا حين نعرف أن هذه الفوضى في المنطقة مدارة أميركيا ومقصودة من أجل تفكيك كل بنية المنطقة، وإشعال حروب مذهبية، وترك الارتدادات لتصل إلى كل الدول الفاعلة، بحيث تبقى إسرائيل الدولة الأقوى، وسط محيط مهشم يعاني من الفوضى والحروب والاقتصادات المدمرة.
مناسبة هذا الكلام أن هناك اتهامات إثيوبية رسمية للقاهرة بدعم تحالف مسلح معارض يقاتل القوات الحكومية في شمال البلاد، بالتوازي مع التوتر المستمر حول ملف سد النهضة، وخنق مصر مائيا، وأن مصر ومعها دول أخرى يعملون على دعم تحالف سياسي وعسكري معارض تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يسعى للإطاحة بالنظام الإثيوبي، الذي تحول إلى خنجر يطعن مصر في ظهرها في سياق دور وظيفي مكشوف من حيث غاياته النهائية.
ثم علينا أن نفرق تماما بين النقد المشروع بحق أي نظام سياسي عربي، وما قد يستجد على أي بلد عربي وشعبه ومؤسساته في سياق التطاحن الإقليمي الذي يستهدف هدم كل الحاضنات العربية التاريخية الوازنة، وصولا إلى منطقة جديدة مفتتة، تنبت فيها الدول الصغيرة الانعزالية الصغيرة على أساس عرقي وديني ومذهبي، وترعاها إسرائيل وتدور في فلكها.
الغد