facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ثمانون عاماً من الاستقلال: الأردن من الصمود إلى صناعة المستقبل


د.محمد عاطف عضيبات
24-05-2026 09:42 PM

لا يأتي عيد الاستقلال الثمانون هذا العام مناسبة عابرة في روزنامة الوطن، ولا رقما جميلا يضاف إلى ذاكرة الدولة فحسب. إنه عيد مختلف، لأن الأردن يقف عند عتبة جديدة من عمره السياسي والاقتصادي والوطني. ثمانون عاما ليست زمنا قصيرا في حياة دولة قامت في منطقة صعبة، ووسط جغرافيا لم تعرف الهدوء طويلا. لكنها أيضا ليست نهاية الطريق. إنها لحظة مراجعة واعتزاز، ولحظة سؤال كبير: ماذا فعلنا بالاستقلال، وماذا سنفعل به في السنوات المقبلة؟

نعم، هذا العيد مختلف عن أعياد الاستقلال السابقة. ليس لأنه يحمل الرقم ثمانين فقط، بل لأنه يأتي والأردن ينتقل من منطق الصمود وحده إلى منطق البناء الواسع. في مراحل كثيرة كان الإنجاز الأكبر أن تبقى الدولة واقفة، وأن تحمي قرارها، وأن تصون أمنها واستقرارها. أما اليوم، فالمعادلة تتقدم خطوة إضافية: أن يبقى الأردن مستقرا، وأن يخطط، وأن ينفذ، وأن يحوّل الاستقلال من ذكرى سياسية إلى مشروع يومي في الماء والطاقة والنقل والسكن والاستثمار والتعليم والهوية الوطنية.

في السياسة، يبدو الأردن أكثر ثباتا لأنه لم يربط استقراره بغياب الأزمات، بل بقدرته على إدارتها. المنطقة من حولنا مضطربة، والحدود ملتهبة بالأحداث، والضغوط الاقتصادية والأمنية لا تتوقف. ومع ذلك، مضى الأردن في مسار التحديث السياسي، وأُجريت انتخابات 2024 في سياق قوانين انتخاب وأحزاب جديدة جاءت بعد تعديلات 2022، مع تركيز معلن على توسيع مشاركة الشباب والمرأة وتطوير الحياة الحزبية. وهذا بحد ذاته دلالة مهمة: الدولة التي تخاف المستقبل تؤجل السياسة، أما الدولة الواثقة بقيادتها الرشيدة فتدخل الإصلاح من بابه الصعب.

وفي الاقتصاد، لا يجوز أن نقول إن الطريق مفروش بالورد. الأردنيون يعرفون حجم التحديات: المديونية، البطالة، كلف الطاقة، شح المياه، وضغط اللجوء، وتباطؤ الإقليم. لكن القوة الاقتصادية لا تقاس بغياب المشكلات، بل بقدرة الدولة على حماية استقرارها المالي والنقدي والاستثماري وسط العواصف. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الأردني بقي مرنا، وأن النمو تسارع إلى 2.7% في النصف الأول من 2025، مع بقاء التضخم حول 2%، وتوقع بلوغ النمو نحو 3% في السنوات المقبلة بدعم المشاريع الاستثمارية والإصلاحات. هذه أرقام لا تصنع وحدها الرضا الشعبي، لكنها تقول إن الأردن لم ينكسر تحت الضغط، وأنه ما زال يملك القدرة على التحرك إلى الأمام.

أما الثقة بالمستقبل، فهي ليست نشيدا يقال في المناسبات. الثقة الحقيقية تولد حين يرى المواطن أن هناك مشروعا، وجدولا، وقرارات، ونتائج قابلة للقياس. الأردنيون أكثر ثقة لا لأنهم لا يشعرون بالصعوبات، بل لأنهم يرون أن الدولة بدأت وبتوجيهات مباشرة من جلالة الملك -حفظه الله ورعاه- بدأت بنقل الملفات الكبرى من خانة الوعود إلى خانة التنفيذ. الثقة لا تعني أن المواطن راض عن كل شيء، ولا أن الحياة سهلة، لكنها تعني أن الأردني يعرف أن هذا البلد، كلما ضاقت عليه الجغرافيا، وسّع أفقه بالإرادة.
وهنا تأتي أهمية المشاريع الوطنية الكبرى. فمشروع الناقل الوطني للمياه ليس مجرد أنبوب يمتد من العقبة إلى المحافظات، بل هو إعلان استقلال مائي في بلد من الأفقر مائيا في العالم. المشروع يهدف إلى تحلية 300 مليون متر مكعب سنويا، عبر أنابيب تمتد نحو 450 كيلومترا، ويوفر قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب، مع توقع بدء الضخ عام 2030. في بلد يعرف معنى قطرة الماء، يصبح هذا المشروع جزءا من معنى الاستقلال نفسه، لأن السيادة لا تكتمل من دون أمن مائي يحمي البيوت والزراعة والصناعة والاستثمار.

وكذلك مدينة عمرة. فهي ليست توسعا عمرانيا عاديا، ولا مشروعا عقاريا محدودا، بل محاولة للتفكير بعمان والزرقاء والموقر والمطار والطرق الدولية بطريقة جديدة. أُعلن عن المشروع بوصفه نواة لمدينة مستقبلية نموذجية للشباب والجيل القادم، تمتد مراحل تطويرها على مدى 25 عاما، وتفتح فرصا استثمارية واقتصادية واعدة. قيمة المشروع لا تكمن فقط في الأبنية التي ستقام، بل في الفكرة التي يحملها: أن الأردن لا يريد أن يترك نمو مدنه للعشوائية والضغط السكاني، بل يريد أن يخطط للمكان كما يخطط للمستقبل.

ويزداد عيد الاستقلال الثمانون اختلافا حين يقترن بتوجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حول كتابة السردية الوطنية. فالأمم لا تعيش بالمشاريع المادية وحدها، بل تعيش أيضا بالرواية التي تعرف بها نفسها وتقدم بها صورتها للعالم. وقد أطلقت وزارة الثقافة مشروع “السردية الأردنية.. الأردن، الأرض والإنسان” لتوثيق تاريخ الأرض الأردنية والإنسان عليها ضمن إطار علمي موثوق، مع منصة رقمية تفاعلية ومشاركة مجتمعية. هذه ليست مسألة ثقافية فقط. إنها مسألة أمن وطني ناعم، لأن من لا يكتب قصته بيده، يترك الآخرين يكتبونها عنه.

السردية الوطنية مهمة لأنها تعيد للأردني ثقته بجذوره. فهي تقول له إن الأردن ليس صدفة سياسية، وليس هامشا على خرائط الآخرين، بل أرض حضارات وممالك وطرق وقوافل ومعارك وبناء وتضحيات. وتقول له أيضا إن الدولة الحديثة لم تأت من فراغ، بل من تراكم طويل من المعنى والقيادة والمؤسسات والناس. حين يفهم الشاب الأردني هذه السردية، يصبح الانتماء لديه معرفة لا مجرد عاطفة، ومسؤولية لا مجرد شعار.

ولا يكتمل مشهد الثقة الوطنية هذا العام من دون التوقف عند الإنجاز الرياضي الكبير الذي صنعه منتخبنا الوطني لكرة القدم، حين بلغ كأس العالم 2026 للمرة الأولى في تاريخه. هذا التأهل لم يكن فرحا رياضيا عابرا، بل كان لحظة جامعة أعادت للأردنيين إحساسهم العميق بقدرة هذا البلد على تجاوز حدود التوقعات. لقد قال "النشامى" للعالم إن الأردن، رغم محدودية الإمكانات، يستطيع أن ينافس ويحلم وينتصر حين تتوافر الإرادة والتنظيم والإيمان. ومن الجميل أن يتزامن عيد الاستقلال الثمانون مع هذا الإنجاز التاريخي، لأن الرياضة هنا لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت جزءا من القوة الناعمة للدولة، ومن صورتها المشرقة، ومن سرديتها الجديدة التي تقول إن الأردني بقيادته الراشدة قادر على الوصول إلى العالم من أوسع أبوابه.

لقد صمد الأردن لأنه امتلك ثلاث قوى في وقت واحد: قيادة حكيمة تعرف حساسية الجغرافيا، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وشعبا صبورا شديد الارتباط بدولته. صمد في وجه موجات اللجوء، والحروب المحيطة، والأزمات الاقتصادية العالمية، والتوترات الإقليمية، وشح الموارد. لكنه لم يكتف بالصمود. حاول أن يحوّل التحدي إلى فرصة: أزمة المياه إلى مشروع ناقل وطني، وضغط المدن إلى مدينة مخططة، وضغط الشباب إلى تحديث سياسي واقتصادي، وتشويش الهوية إلى سردية وطنية موثقة.
الاستقلال في عامه الثمانين ليس فقط رفع علم، ولا ترديد كلمات جميلة، مع أن العلم والكلمات جزء عزيز من وجداننا. الاستقلال اليوم هو أن تكون لنا قدرة على القرار، وقدرة على الإنتاج، وقدرة على حماية الماء، وقدرة على تطوير الاقتصاد، وقدرة على تحديث السياسة، وقدرة على رواية قصتنا بثقة. الاستقلال أن لا نخاف من المستقبل، بل أن نذهب إليه بعقل مفتوح وقدم ثابتة.

لهذا كله، يبدو عيد الاستقلال الثمانون مختلفا. إنه عيد الدولة التي لم تهرب من جغرافيتها، بل صنعت منها دورا. عيد الشعب الذي تعب كثيرا، لكنه لم يفقد إيمانه ببلده. عيد القيادة الواثقة التي تدفع باتجاه التحديث من دون التفريط بالثوابت. وعيد وطن صغير بمساحته، كبير بمعناه، تعلّم عبر ثمانين عاما أن البقاء إنجاز، لكن صناعة المستقبل هي الإنجاز الأكبر.

وفي هذا العيد، لا يكفي أن نقول كل عام والأردن وقيادته وشعبه بالف خير. الأجمل والأصدق أن نقول: كل عام والأردن وقيادته وشعبه أكثر قدرة على أن يكون نفسه، أكثر ثقة بسرديته، أكثر صلابة في قراره، وأكثر ثقة بقيادته، وأكثر اقترابا من المستقبل الذي يستحقه الأردنيون.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :