في قلب الصَّحراءِ لُغزٌ لا تُفسِّرهُ الرِّمال .. فكيفَ نَبتَ من حِجارةِ السَّوسنةِ وطن؟
م.شهد القاضي
25-05-2026 11:49 PM
هل تساءلتَ يوماً كيف يمكنُ لبلدٍ شَحَّتْ في عُروقهِ المياه، وأحاطتْ بهِ عواصفُ الجغرافيا من كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، أن يظلَّ السَّفينةَ الأشدَّ ثباتاً في بَحرٍ تَمورُ فيهِ الأمواج؟ كيفَ يستيقظُ شعبٌ في الخامسِ والعشرينَ من أيار، لا لِيحتفلَ بورقةٍ وُقِّعتْ عام 1946، بل لِيُعلنَ للعالمِ صرخةً مَفادُها: "نحنُ هُنا.. خُلقنا لِنبقى، وتأسَّسنا لِنَقود"؟ إنَّ السِّر لا يكمنُ في خارطةٍ رُسِمتْ، بل في طينةٍ عُجِنتْ بكرامةٍ لا تَقْبلُ القسمةَ على اثنين.
فالاستقلالُ في الأردن ليس مَناسبةً عابرةً نُعلّقُ فيها الأعلامَ ونَمضي؛ إنهُ حالةٌ من الوعيِ الجماعيّ، حكايةُ عِشقٍ أزليّةٍ بينَ النَّشامى وترابِهم الطَّهور.. وحينَ تنظرُ إلى رصانةِ عمَّان، وعَراقةِ إربد، وشُموخِ الكرك، وبَداوةِ رمّ، تدركُ أنَّ هذا الوطنَ لم يَنلِ استقلالَهُ هِبةً أو صُدفة، بل انتزعهُ ملوكٌ حواشمُ وبَناهُ أحرارٌ سَطروا بدمائِهم وعَرَقِهم حُروفَ الحُريّة.. "ما ركعنا لِغيرِ الله يوماً، وما هانتْ لنا راية"، هي ليستْ مُجرَّد عبارة، بل عقيدةٌ يَتوارثُها الأردنيونَ جيلاً بعد جيل، تُفسِّرُ كيفَ تحوَّلتِ القِلّةُ في المواردِ إلى وفرةٍ في الرِّجال، وكيفَ صارَ الدِّفءُ الأردنيُّ مَلاذاً لكلِّ مُستجير.
ومَن يتأمَّلُ الرَّبطَ العجيبَ في هذا الحِمى بينَ "الشَّماغِ المَهدّب" بعُقدِهِ الوفيرة، وبينَ "التَّاجِ المَلكيّ" الرَّفيع، يَفهمُ عُمقَ الحكاية؛ فالشَّماغُ غُبارُ المعاركِ وعَرَقُ المزارعِ وكبرياءُ البدويّ، والتَّاجُ رَمزُ الحِكمةِ والهاشميّةِ السَّامقةِ التي قادتِ السَّفينةَ بحنكةِ الحُسينِ -طيَّب الله ثراه- وعَبرتْ نحو المئويّةِ الثَّانيةِ برؤيةِ عَبْدِاللهِ الثَّاني -حَفِظَهُ الله.
إنَّ الاستقلالَ الحقيقيَّ في الأردن يَتجلَّى في هذا الوفاقِ الفريد: أنْ نكونَ دولةً مَحوريّةً، تُخاطبُ العالمَ بلغةِ العصرِ والتَّكنولوجيا والتَّقدّم، دونَ أنْ تَفقدَ لمسةَ يدِ الجَدِّ التي تفوحُ منها رائحةُ الهيلِ والقَهوةِ السَّادة.
ولأنَّ الفِكرَ العميقَ لا يَقنعُ بالمظاهر، دعونا نطرحُ السُّؤالَ الأهمّ ونحن نقف على أعتابِ ثمانينَ عاماً من الشموخ والعَطاء: كيف نَجعلُ من ذكرى الاستقلالِ وقوداً لمواجهةِ تحدّياتِ الغدِ الاقتصاديّةِ والاجتماعية؟ وكيف يُترجمُ الشَّبابُ الأردنيُّ اليومَ مفهومَ "السِّيادةِ" في مَيادينِ الابتكارِ والذَّكاءِ الاصطناعيّ والإنتاج؟ بل كيفَ نَظلُّ، كما كُنّا دَوْماً، الرِّئةَ النَّابضةَ لِقضايا أُمَّتِنا، وعلى رأسِها القدسُ وفلسطين، دُونَ أنْ تَلينَ لنا قناة؟
إنَّ عِيدُ الاستقلالِ يا سادة هو المِرآةُ التي نَرى فيها وجوهَ أجدادِنا الذينَ حَرثوا الصَّخرَ لِنحصدَ نَحنُ الكرامة.. هو العَهدُ المتجدّدُ بأنَّ هذهِ الأرض، التي تَحضنُ الأنبياءَ والصَّحابةَ والشُّهداء، ستبقى عَصيّةً على الانكسار، عزيزةً بجُندِها، مَهيبةً بجيشِها العربيّ، شَامخةً بقيادتِها.
كُلُّ عامٍ والأردنُّ، أرضاً وشعباً وقائداً، بألفِ خير.. كُلُّ عامٍ ونحنُ نَكتبُ للتَّاريخِ كَيفَ يُصنعُ المَجدُ من شُحِّ المستحيل!