facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العروة الوثقى للأوطان: سرّ البقاء وعنوان الاستقرار


د. حسين سالم السرحان
26-05-2026 12:23 AM

نافذة على الاستقلال

جسّدت مملكتنا معنى الاستقلال عن الظلم والديكتاتورية والأحكام القاسية بالحديد والنار والإعدامات عبر مختلف مراحلها.
وكان وطننا، وما يزال، يواجه تحدياتٍ كثيرة، لكنها لم تخرج يومًا عن إطار الكرامة الإنسانية لمواطنيه، حتى المعارضين ومن حملوا السلاح في وجه السلطة.

فالأوطان ليست مجرد حدود وجغرافيا، ولا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل تنهض — قبل ذلك وبعده — على رابطةٍ أعمق وأبقى؛ رابطة التسامح والقدرة على تجاوز الاختلاف، والإيمان بأن الإنسان قد يغيّر موقفه حين تتغير ظروفه وتتسع رؤيته للحياة والوطن.
فالأوطان التي تضيق بأبنائها المختلفين سرعان ما تضيق بنفسها، أما الأوطان التي تتسع للنقد والمراجعة وتعدد الآراء، فإنها تملك سرّ البقاء وعنوان الاستقرار.

وفي التجربة الأردنية، ومنذ البدايات البسيطة للدولة في مؤسساتها وسياساتها واقتصادها وثقافتها، ظلّ القاسم المشترك الأهم قائمًا على قبول الآخر، وعلى فهمٍ عميق لطبيعة المجتمع وتنوعه، وأن الاختلاف السياسي أو الفكري في مرحلةٍ ما لا يلغي الانتماء، ولا يسقط عن الإنسان حقه في العودة إلى حضن وطنه متى أراد مراجعة ذاته وإعادة تموضعه ضمن سياق الدولة والمجتمع.

لقد أدرك الأردن، قيادةً وشعبًا، أن بناء الدولة لا يتحقق بعقلية الإقصاء أو محاكمة الناس على آرائهم القديمة، بل بإبقاء الأبواب مفتوحة أمام المراجعة والتقييم والتغيير. فالإنسان ليس موقفًا جامدًا، بل كائن يتطور وينضج ويتبدل بفعل التجارب والوعي والزمن.

ومن الحكمة أن نحيّي كل من امتلك شجاعة العودة إلى الفكرة الأقرب لوطنه، لا أن نطارده بأقوالٍ قالها يومًا، أو بظروفٍ ربما لم تعد قائمة.

ولعلّ قيمة التسامح لا تبدأ في السياسة بقدر ما تبدأ داخل الأسرة والعائلة ومختلف الجماعات الاجتماعية والمهنية. فالإنسان المتسامح أكثر قدرةً على النجاح في بيته وعمله ووطنه، وأكثر قابليةً لاحتواء الناس وجمعهم حوله. إنه نموذج إيجابي يمنح الآخرين شعورًا بالأمان والقبول، بينما يعيش أصحاب النزق وضيق الأفق في عزلةٍ داخلية تجعلهم أسرى الخصومة الدائمة، وغير قادرين على تجاوز التفاصيل الصغيرة أو الانتصار على ذواتهم.

إن من أهم عناصر قوة الدولة الأردنية قدرتها التاريخية على التسامح والتجاوز، وعلى ترميم المسافات بين الإنسان ووطنه مهما ابتعدت به المواقف أو التصورات السلبية. فالدولة التي تتسع لأبنائها المختلفين، وتمنحهم فرصة العودة والمشاركة، هي دولة واثقة من نفسها ومن مشروعها الوطني.

وهكذا تبقى العروة الوثقى بين الناس وأوطانهم قائمةً على الرحمة قبل القسوة، وعلى الاحتواء قبل الإقصاء، وعلى الإيمان بأن الإنسان، حين يجد وطنه متسامحًا معه، يصبح أكثر إخلاصًا له، وأكثر استعدادًا للدفاع عنه والبناء في رحابه.

ويبقى تراب الوطن وأرضه الحضن الذي يؤول إليه الإنسان في النهايات؛ وعليه، فلا صكوك غفران يمنحها أحد في المواطنة، ولا آراء الآخرين تُشكّل سدًا منيعًا يمنع مواطنًا من العودة إلى هذا التراب وهذه الأرض.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :