facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حياكة السجاد .. أم اللعب بالنار؟


عبدالنبي الشعلة
26-05-2026 12:35 PM

يبدو أن الشعب الإيراني الجار قد ابتُلي، بين الحين والآخر، بأنظمة حكم تُغرقه في استدعاء سرديات تاريخية مؤدلجة، وتستفز فيه النزعة القومية عبر إعادة قراءة انتقائية للماضي، وتقحمه في مغامرات وحروب خارجية، فتُبدّد طاقاته وتُشتّت اهتمامه بعيدًا عن أولوياته الحقيقية ومصالحه الوطنية والتنموية.

ولعلّ نظام الحكم الحالي في طهران قد تجاوز، في هذا الجانب، كثيرًا من الأنظمة التي سبقته، بعدما فتح على إيران جبهات توتر وعداء مع عدد كبير من دول العالم ومكوّنات المجتمع الدولي. غير أن الأخطر، بالنسبة إلينا في دول الخليج العربية، هو حالة الاستياء والتذمر التي تعمّقت مؤخرًا لدى حكومات وشعوب المنطقة ضد هذا النظام بعد تعرّضها لاعتداءات مسلّحة مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استمرت لأكثر من أربعين يومًا، ولا تزال آثارها وتداعياتها مستمرة حتى الآن.

وقد بلغ التصعيد ذروته قبل أيام مع استهداف «محطة براكة» للطاقة النووية السلمية في منطقة الظفرة بأبوظبي، في حادثة خطيرة كان يمكن أن تؤدي إلى كارثة إقليمية واسعة، لولا أن الأضرار اقتصرت، لحسن الحظ، على اندلاع حريق في مولّد كهربائي خارج النطاق الداخلي للمحطة.

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، تتابع دول الخليج العربية، شعوبًا وحكومات، بترقب وقلق بالغ المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، أملًا في أن تفضي إلى إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب التي أنهكت المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تنظر بقلق وريبة إلى أسلوب المماطلة والمساومة الذي يتقنه النظام الإيراني، وكأنه لا يزال يعتقد أن فن حياكة السجاد تصلح أيضًا لإدارة الأزمات الكبرى، بينما الواقع يقول إن الاستمرار في هذا النهج لم يعد مجرد لعبة سياسية، بل لعبٌ بالنار

فإدارة الدول والأزمات والحروب لا تقوم على المراوغة وحدها، ولا على القدرة على الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل على حسن تقدير الموازين، وقراءة التحولات، ومعرفة اللحظة التي ينبغي فيها التراجع قبل الوصول إلى حافة الهاوية.

وللأسف، فإن التاريخ الإيراني نفسه مليء بمحطات دفعت فيها البلاد أثمانًا باهظة بسبب سوء التقدير السياسي، والشعور المفرط بالعظمة، والإصرار على المكابرة حتى اللحظة الأخيرة.

أبرز مثال معاصر على ذلك كان الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980. فبعد عامين من اندلاعها تمكنت إيران من استعادة أراضيها التي احتلتها القوات العراقية في السنوات الأولى للحرب، طُرحت أكثر من مبادرة لوقف القتال، لكن القيادة الإيرانية آنذاك أصرت على مواصلة الحرب تحت شعار إسقاط نظام صدام حسين، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة.

استمرت الحرب ست سنوات أخرى، أي ثماني سنوات متواصلة، وسقط خلالها أكثر من مليون من القتلى والجرحى، واستنزفت مقدرات البلدين، قبل أن يضطر الإمام الخميني في النهاية إلى قبول وقف إطلاق النار عام 1988، واصفًا ذلك بأنه "تجرع لكأس السم".

ذلك الوصف وحده يكفي لفهم حجم المرارة التي انتهت إليها حرب كان يمكن أن تتوقف قبل سنوات طويلة.

المشكلة أن النظام الإيراني الحالي يبدو وكأنه لم يستوعب الدرس بالكامل. فما زال يتعامل مع الإقليم بعقلية التوسع، وتصدير الثورة، وبناء الأذرع العابرة للحدود، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، بدلًا من بناء علاقات طبيعية قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة.

والنتيجة أن دول الخليج العربية، التي يفترض أن تكون الشريك الطبيعي لإيران بحكم الجغرافيا والتاريخ والدين والمصالح الاقتصادية، أصبحت تنظر بقلق بالغ إلى سياساتها وتحركاتها.

لقد تعرضت هذه الدول مؤخرًا لاعتداءات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وعاشت تحت تهديد أمني غير مسبوق، فيما يستمر إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط وابتزاز تمس الاقتصاد العالمي بأسره.

وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد خلاف سياسي؛ إنما تتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي ولأمن الشعوب.

التاريخ يعلمنا أيضًا أن الغرور السياسي كثيرًا ما يقود إلى نتائج كارثية. فالإمبراطور الفارسي زيركسيس الأول، عندما قاد حملته الشهيرة ضد اليونان عام 480 قبل الميلاد، تجاهل نصائح مستشاريه، واندفع بثقة مفرطة نحو معركة "سلاميس" البحرية، فكانت النتيجة هزيمة قاسية غيّرت مسار الحرب.

وفي التاريخ الحديث، تكفي الإشارة إلى الحروب الصفوية العثمانية، ثم الحروب القاجارية الروسية، وما انتهت إليه من خسائر إقليمية وسياسية كبيرة لإيران، بسبب سوء الحسابات والإصرار على سياسات تفوق قدرات الدولة الحقيقية.

ولا يعني استحضار هذه الوقائع التاريخية الشماتة بإيران أو الإساءة إلى شعبها، فالشعب الإيراني هو أكبر ضحايا هذا النظام، وهو شعب عريق ومثقف، وله إسهامات حضارية وإنسانية كبيرة. كما أن العلاقات بين العرب والإيرانيين عبر التاريخ لم تكن حروبًا وصراعات فقط، بل شهدت أيضًا مراحل طويلة من التفاعل والتجارة والتعايش والتبادل الحضاري.

لكن المشكلة اليوم تكمن في السياسات التي ينتهجها النظام الحاكم، لا في الشعب الإيراني ذاته.

فالجغرافيا تفرض علينا التعايش، والتاريخ يفرض علينا التعاون، والمستقبل يفرض علينا البحث عن صيغة استقرار دائم في هذه المنطقة الحساسة من العالم. غير أن ذلك لن يتحقق ما دامت سياسة التوسع، وفرض النفوذ، وتصدير الأزمات، واستخدام الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة، هي اللغة السائدة.

إن دول الخليج العربية لا تبحث عن حرب، ولا تريد إسقاط إيران، ولا تتمنى للشعب الإيراني إلا الأمن والاستقرار والازدهار. لكنها، في المقابل، لا تستطيع أن تقبل بأن تبقى رهينة لسياسات المغامرة والتصعيد والابتزاز.

ولهذا، فإن الأمل الحقيقي اليوم لا يكمن في إطالة أمد التفاوض أو إتقان فنون المراوغة وكسب الوقت، بل في أن تدرك القيادة الإيرانية أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من اللعب بالنار؛ فحياكة السجاد قد تكون فنًا رائعًا، لكن إدارة الأوطان تحتاج دائمًا إلى شيء آخر اسمه "الحكمة".





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :