facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين “استحوا” و”عيب” .. هل نجحت وزارة البيئة أم طغى الجدل على القضية؟


أ. د. هاني الضمور
31-05-2026 09:48 AM

لم يكن الجدل الذي أثارته وزارة البيئة الأردنية عقب احتفالات عيد الاستقلال حول النفايات المتراكمة في الشوارع والساحات العامة أمراً مستغرباً، لكن اللافت هذه المرة لم يكن حجم المخلفات التي خلفتها الاحتفالات، بل اللغة التي اختارتها الوزارة للتعبير عن موقفها. فقد تصدرت عبارتا “استحوا” و”عيب” النقاش العام، وتحولتا من رسالة توعوية إلى قضية إعلامية وتسويقية استحوذت على اهتمام الرأي العام.

من الناحية البيئية، لا خلاف على جوهر القضية. فالحفاظ على نظافة المدن والمرافق العامة يمثل مسؤولية مجتمعية ووطنية، خاصة في مناسبة بحجم عيد الاستقلال التي تعكس صورة الأردن أمام مواطنيه وزواره. لكن الجدل الحقيقي لم يتركز على أهمية النظافة أو رفض السلوكيات السلبية، بل على الأسلوب الذي اختارته الوزارة لمخاطبة المواطنين.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نجحت وزارة البيئة في تحقيق أهدافها من خلال هذا الخطاب المباشر والصادم؟ أم أن الجدل الذي أثارته العبارات المستخدمة صرف الأنظار عن المشكلة الأساسية المتمثلة في السلوك البيئي الخاطئ؟

من منظور إعلامي وتسويقي، لا يُقاس نجاح الرسالة بعدد المشاهدات أو حجم التفاعل وحده، بل بقدرتها على التأثير في الاتجاهات والسلوكيات. فالهدف من أي حملة توعوية لا يتمثل فقط في إثارة النقاش، بل في إحداث تغيير فعلي ومستدام في سلوك الجمهور المستهدف.

وفي عالم الاتصال الجماهيري، تلجأ المؤسسات أحياناً إلى ما يعرف بـ”الرسائل الصادمة” أو “التسويق بالاستفزاز الإيجابي”، وهي استراتيجية تهدف إلى كسر حالة اللامبالاة وجذب الانتباه إلى قضية معينة. وقد استخدمت حكومات ومنظمات عديدة حول العالم هذا الأسلوب في حملات مكافحة التدخين، والحد من حوادث السير، والتوعية البيئية، انطلاقاً من فكرة أن الرسائل التقليدية قد لا تكون كافية لإحداث التأثير المطلوب.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تحدياً كبيراً، يتمثل في احتمال انتقال النقاش من القضية نفسها إلى أسلوب طرحها. وهذا ما بدا واضحاً في الحالة الأردنية، حيث انقسم الرأي العام بين من رأى أن العبارات المستخدمة كانت ضرورية لمواجهة سلوك غير حضاري ومتكرر، وبين من اعتبر أن لغة التوبيخ لا تنسجم مع طبيعة الخطاب الذي يفترض أن يصدر عن مؤسسة رسمية.

ومن زاوية إدارة السمعة المؤسسية، فإن نجاح أي جهة حكومية لا يعتمد فقط على قدرتها على إيصال الرسالة، بل أيضاً على قدرتها على المحافظة على الثقة والعلاقة الإيجابية مع المواطنين. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للخطاب الرسمي، بل شريك في تنفيذ السياسات العامة وتحقيق أهدافها. وكلما شعر هذا الشريك بأنه يُخاطب باحترام وتقدير، ازدادت فرص التفاعل الإيجابي مع الرسالة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن حجم التفاعل الذي أثارته الحملة يعكس نجاحها في لفت الانتباه إلى قضية كانت تمر في كثير من الأحيان دون نقاش واسع. فمشاهد النفايات بعد الاحتفالات الوطنية ليست جديدة، لكن حجم الجدل الذي أعقب هذه الحملة أعاد تسليط الضوء على سلوكيات فردية تؤثر في المشهد العام وتسيء إلى صورة المدن والمواقع العامة.

ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً: هل كان التركيز الأكبر في النقاش المجتمعي على معالجة ظاهرة رمي النفايات؟ أم على تقييم العبارات التي استخدمتها الوزارة؟ وهل سيتذكر الناس أهمية الحفاظ على البيئة بعد أسابيع من الآن، أم ستبقى كلمات “استحوا” و”عيب” هي العنوان الأبرز للحملة؟

التجارب العالمية تشير إلى أن تغيير السلوك المجتمعي لا يتحقق عبر الرسائل الصادمة وحدها، بل من خلال مزيج متوازن من التوعية، والتحفيز، والقدوة، وتوفير البنية التحتية المناسبة، وتطبيق القانون على المخالفين. فالمواطن يحتاج إلى رسالة مقنعة، وإلى بيئة تساعده على الالتزام، وإلى شعور بأن الجميع يخضع للمعايير نفسها.

في النهاية، قد تختلف الآراء حول أسلوب وزارة البيئة، لكن الجميع يتفق على أن نظافة الأماكن العامة ليست مسؤولية جهة حكومية وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. ويبقى السؤال الذي سيحدد نجاح أو إخفاق هذه التجربة الإعلامية: هل سيتحول الجدل الذي شهدناه إلى تغيير حقيقي في السلوك العام، أم أن القضية ستنتهي بانتهاء النقاش حول العبارات المستخدمة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي وحدها التي ستحدد ما إذا كانت الحملة قد حققت أهدافها فعلاً، أم أنها اكتفت بإثارة ضجة إعلامية عابرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :