الأردن والمياه .. بين ندرةٍ تُرهق الحياة ورؤيةٍ تبحث عن خلاص
الدكتور مهند النسور
31-05-2026 10:09 AM
لم يعد ملف المياه في الأردن قضية خدمية يمكن تأجيلها، بل أصبح تحديًا يوميًا يمسّ حياة الناس وصحتهم واستقرارهم. ففي بلد يُعدّ من أفقر دول العالم مائيًا، يعيش المواطن الأردني على واحدة من أدنى الحصص المائية عالميًا، في واقع يجعل الماء موردًا نادرًا لا حقًا متاحًا بسهولة. هنا، لا يرتبط الماء بالرفاه، بل بالبقاء، وتتحول إدارته إلى معادلة دقيقة بين الحاجة والقدرة المحدودة.
الأزمة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بتفاصيل الحياة اليومية. فالأسر الأردنية تعيش على نظام التقنين، وتنتظر وصول المياه إلى خزاناتها لأيام محدودة كل أسبوع. ومع أن كميات كبيرة تُضخ في الشبكات، إلا أن جزءًا مهمًا منها يُفقد بسبب البنية التحتية المتهالكة والتسريبات، ما يجعل ما يصل إلى المواطنين أقل بكثير من الكميات المنتجة فعليًا. وهكذا أصبح تخزين المياه ضرورة دائمة، لا خيارًا مؤقتًا.
لكن أخطر ما في أزمة المياه أنها لم تعد قضية خدمات فقط، بل أصبحت قضية صحة عامة. فشحّ المياه يضعف معايير النظافة الشخصية والعامة، ويزيد احتمالات تلوث المياه والغذاء، خصوصًا مع التخزين الطويل داخل المنازل. ومع هذه الظروف تعود أمراض كان يُعتقد أنها تراجعت، مثل الإسهالات المعوية والتهابات الجهاز الهضمي وأحيانًا التهاب الكبد الوبائي، لتشكّل عبئًا صحيًا جديدًا على المجتمع.
الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضررًا من هذا الواقع. فالإسهالات المتكررة تؤثر على نمو الأطفال وتغذيتهم وتركيزهم الدراسي، فيما يصبح الجفاف والالتهابات أكثر خطورة على كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. ومع كل أزمة مائية، يزداد الضغط غير المرئي على القطاع الصحي، سواء من حيث الحاجة إلى العلاج أو الوقاية أو مراقبة الأمراض المرتبطة بالمياه.
ولا تقف آثار الأزمة عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد والتنمية. فالزراعة تواجه تحديات متزايدة تهدد الأمن الغذائي، والصناعة تعيد حساباتها في ظل محدودية الموارد المائية، بينما يتردد الاستثمار في بيئة تعاني هشاشة مائية متصاعدة. ومع التغير المناخي، وتراجع الهطول المطري، وازدياد الطلب على المياه بفعل النمو السكاني واستضافة اللاجئين، تتسع الفجوة بين المتاح والمطلوب عامًا بعد عام.
أمام هذا الواقع، برزت الرؤية الوطنية للمياه باعتبارها محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء حلول استراتيجية مستدامة. وفي مقدمة هذه الحلول يأتي مشروع الناقل الوطني للمياه، ليس فقط كمشروع هندسي، بل كخيار وطني يرتبط بالصحة العامة والأمن المائي والاستقرار الاجتماعي. فالمياه لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت أساسًا للحياة الكريمة، وشرطًا للتنمية، وخط الدفاع الأول عن صحة الإنسان ومستقبل الأجيال.