باريس سان جيرمان وقطر والكرة الأردنية
يعقوب الحوساني
31-05-2026 11:07 AM
عندما استحوذت شركة قطر للاستثمارات الرياضية على نادي باريس سان جيرمان الفرنسي عام 2011 مقابل نحو 70 مليون يورو فقط، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يتحول النادي خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أقوى العلامات التجارية الرياضية في العالم. واليوم تقدر القيمة السوقية للنادي بحوالي 5 مليارات دولار، في قصة نجاح استثمارية ورياضية تستحق التوقف عندها كثيراً.
لم يقتصر النجاح على الجانب المالي فحسب، بل امتد ليشمل مختلف جوانب العمل داخل النادي؛ فقد ارتفعت الإيرادات السنوية إلى أكثر من 800 مليون يورو، فيما قفز عدد المتابعين حول العالم من نحو 500 ألف متابع فقط إلى أكثر من 200 مليون متابع عبر مختلف المنصات، ليصبح باريس سان جيرمان أحد أكثر الأندية حضوراً وتأثيراً على المستوى العالمي.
أما على الصعيد الرياضي، فقد حصد النادي ثمار المشروع الاستثماري بشكل واضح، بعدما توج بلقب دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين، وفرض هيمنة شبه مطلقة على البطولات الفرنسية. فمنذ بدء الاستثمار القطري أحرز لقب الدوري الفرنسي 12 مرة خلال آخر 15 عاماً، في حين أن رصيده قبل دخول المستثمر القطري كان لا يتجاوز لقبين فقط طوال تاريخه.
هذه التجربة الناجحة تفرض علينا في الأردن تساؤلاً مشروعاً: لماذا لا نحاول الاستفادة من هذا النموذج وتطبيقه بما يتناسب مع واقعنا الرياضي؟
لقد أثبتت التجربة القطرية أن الإدارة الاستثمارية المحترفة قادرة على تحويل الأندية من مؤسسات تعاني الأزمات المالية إلى مشاريع اقتصادية ورياضية ناجحة.
ومن هنا يمكن التفكير بجدية في تحويل الأندية الأردنية من أندية أهلية تعتمد على الدعم والتبرعات إلى أندية تابعة لشركات تديرها عقليات استثمارية متخصصة تسعى إلى تحقيق الأرباح وتطوير الأداء في الوقت ذاته.
إن مثل هذا التحول من شأنه أن يرفع القيمة السوقية للاعب الأردني، ويوفر مصادر دخل مستدامة للأندية من خلال التسويق الفعال واستثمار الشعارات والعلامات التجارية والحقوق الإعلامية والرعايات المختلفة. كما سيؤدي إلى زيادة التنافسية في الدوري المحلي، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على مستوى الأندية الأردنية وقدرتها على المنافسة قارياً.
وفي الجانب الفني، ستسعى الشركات المالكة للأندية إلى الاستثمار الحقيقي في اللاعبين وتطويرهم، بل وتفريغهم بشكل كامل لممارسة كرة القدم بوصفها مهنة احترافية، ما سينعكس على مستواهم الفني والبدني والذهني. وبالتبعية ستتسع الخيارات أمام المنتخبات الوطنية التي ستستفيد من وجود قاعدة أكبر من اللاعبين المحترفين والمؤهلين للمنافسة على أعلى المستويات.
وفي المقابل، يمكن أن يتوقف الدعم المباشر للأندية من قبل وزارة الشباب والاتحاد الأردني لكرة القدم، على أن يتم توجيه هذه الأموال نحو تطوير البنية التحتية الرياضية، وإنشاء الملاعب الحديثة، وتحسين المرافق الرياضية التي تخدم جميع الأندية والمنتخبات الوطنية على حد سواء.
إن الإنجاز التاريخي المتمثل بتأهل المنتخب الأردني إلى نهائيات كأس العالم يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التفكير الرياضي والاقتصادي. وإذا أردنا تكرار هذا الإنجاز مستقبلاً والمنافسة بصورة حقيقية في البطولة العالمية، فإن علينا التوجه فوراً نحو الاستثمار الرياضي المنظم، الذي أرى أنه تأخر كثيراً في الأردن.
فالأندية لا يمكن أن تبقى رهينة للدعم الحكومي أو التبرعات الموسمية من الجماهير ورجال الأعمال، بل يجب أن تتحول إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على تحقيق الاستقرار المالي والفني، وصناعة النجاح بشكل مستدام. وعندها فقط يمكن للكرة الأردنية أن تخطو خطوة حقيقية نحو المستقبل، وأن تتحول من مجرد منافس محلي إلى مشروع رياضي قادر على صناعة الإنجازات قارياً وعالمياً.