حان الوقت لتحويل وسط البلد إلى الوجهة السياحية المفضلة في الشرق الأوسط
المهندس مازن الفرا
31-05-2026 10:35 PM
عندما تُذكر المدن التاريخية العريقة في العالم، تتجه الأنظار إلى مراكزها القديمة التي تحولت إلى وجهات سياحية نابضة بالحياة، يقصدها الزوار للاستمتاع بالتاريخ والثقافة والتسوق والمطاعم والمقاهي والفعاليات المتنوعة.
وفي الأردن، تمتلك عمّان كنزاً حقيقياً يتمثل في منطقة وسط البلد، التي لا تزال تحتفظ بروح المدينة الأصيلة وذاكرتها الممتدة عبر عشرات السنين، لتبقى شاهداً حياً على تاريخ العاصمة وتطورها.
وسط البلد حقيقة يعتبر متحف مفتوح يضم الأسواق الشعبية والمباني التراثية والمواقع الأثرية والمطاعم العريقة التي شكلت جزءاً من ذاكرة الأردنيين والزوار على حد سواء.
ومع ذلك، ما زال السؤال مطروحاً: هل تم استغلال هذه المنطقة بالشكل الذي يليق بمكانتها التاريخية والسياحية؟
قد يكون من المناسب دراسة تحويل أجزاء واسعة من وسط البلد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط، كما هو الحال في العديد من المدن العالمية الناجحة سياحياً.
فالمشاة هم روح المدن التاريخية، وعندما تتحرر الشوارع من الازدحام المروري تصبح أكثر قدرة على جذب الزوار وتنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية، وتمنح المكان بعداً جمالياً وحضارياً ينعكس إيجاباً على تجربة السائح والمواطن.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مواقف سيارات حديثة ومنظمة في محيط المنطقة من جهات محددة، مع توفير وسائل نقل كهربائية صديقة للبيئة، مثل سيارات الجولف أو الحافلات الكهربائية الصغيرة، لنقل الزوار بسهولة وراحة بين المواقف ووسط البلد بأسعار رمزية.
ومن شأن هذه الخطوة أن تخفف الازدحام المروري، وتمنح الزائر فرصة الاستمتاع بالمكان دون ضجيج أو ازدحام أو معاناة في البحث عن موقف للمركبة.
كما أن المواقع الأثرية والتاريخية المنتشرة في المنطقة تستحق اهتماماً أكبر وبرامج تسويقية أكثر احترافية، تشمل تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية والمهرجانات التراثية والعروض التفاعلية التي تعكس تاريخ عمّان العريق، وتجعل من زيارة وسط البلد تجربة متكاملة للسائح والمواطن على حد سواء.
أما البسطات العشوائية، فرغم أنها تشكل مصدر رزق للعديد من الأسر، إلا أن تنظيمها أصبح ضرورة حضارية. ويمكن لأمانة عمّان الكبرى طرح عطاءات لتصميم أكشاك موحدة ذات طابع معماري جمالي مستوحى من هوية المدينة التاريخية، وتوزيعها بشكل مدروس يحفظ حقوق أصحابها ويرتقي بالمشهد البصري للمنطقة.
ومن المهم أيضاً إطلاق حملات تسويق داخلية وخارجية تبرز وسط البلد كوجهة سياحية وثقافية متكاملة، وليس كسوق تقليدي فقط. فالكثير من المدن حول العالم استطاعت أن تحول مراكزها التاريخية إلى محركات اقتصادية وسياحية رئيسية، بينما تمتلك عمّان مقومات ربما تفوق الكثير منها من حيث الأصالة والتنوع والموقع.
وما يميز العاصمة عمّان أيضاً طقسها المعتدل صيفاً، إضافة إلى كونها واحة من الأمن والأمان والاستقرار، وهي عوامل تجعلها وجهة مريحة ومحببة للزوار على مدار العام، وتعزز من فرص تحويل وسط البلد إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية والثقافية في المنطقة.
إن تطوير وسط البلد هو مشروع وطني متكامل يحمل أبعاداً اقتصادية وسياحية وثقافية واجتماعية. وهو استثمار في تاريخ عمّان ومستقبلها، وفرصة حقيقية لتعزيز مكانة العاصمة الأردنية على خريطة السياحة الإقليمية والدولية.
فهل حان الوقت لاتخاذ قرار جريء يعيد لوسط البلد مكانته التي يستحقها، ويجعله الوجهة الأولى المفضلة للمشاة والسياح من مختلف دول المنطقة، ونقطة جذب رئيسية تعكس جمال عمّان وتاريخها وهويتها الحضارية؟
وللحديث بقية ،،،،