قراءة نقدية لرأي الدكتور جواد العناني حول خارطة الأردن
د. حسين سالم السرحان
31-05-2026 11:36 PM
تضمّن جزء من حديث الدكتور جواد العناني على قناة المشهد إشارات لافتة بشأن موقع الأردن وخارطته، حين وصفه بأنه جاء "كفصل لا كوصل"، باعتباره يفصل بلاد الشام عن الخليج، والعراق عن فلسطين، مشيرًا إلى أن شكل المملكة لم يكن بريئًا منذ تأسيسها، بل رُسم وفق إرادة سياسية محددة.
وهنا تبرز جملة من التساؤلات الفكرية والسياسية التي تستحق النقاش حول هذه الرؤية وما تنطوي عليه من دلالات وإيحاءات.
أول ما يلفت الانتباه أن هذا الطرح يقترب من الأدبيات التي تفسر نشأة الدولة الأردنية باعتبارها نتاجًا لوظائف سياسية رسمتها القوى الكبرى. وهي مقاربة قد تبدو جذابة للبعض من الناحية النظرية، لكنها تتجاهل حقيقة أن الدول لا تُقاس بلحظة تأسيسها أو بخطوط حدودها فحسب، وإنما بما راكمته من أدوار وإنجازات، وبما حققته من قدرة على بناء هوية وطنية ومؤسسات مستقرة عبر الزمن.
فالأردن، رغم التحديات الجغرافية والسياسية التي أحاطت به منذ نشأته، لم يكن يومًا دولة معزولة أو "فاصلة" بين الآخرين، بل لعب أدوارًا محورية في الربط بين المشرق العربي والخليج، وبين فلسطين والعالم العربي، وكان على الدوام ساحة للحوار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والإنساني. ولو كان قدره أن يكون "فصلًا" فقط، لما استطاع أن يتحول إلى نقطة ارتكاز إقليمية في قضايا الأمن والاستقرار والوساطة السياسية.
كما أن اختزال موقع الأردن الجغرافي في كونه نتيجة لترسيم حدود أو وظيفة سياسية محددة يغفل عاملًا جوهريًا يتمثل في قدرة الدولة الأردنية على تحويل التحديات إلى فرص
فالجغرافيا قد تُفرض، لكن كيفية استثمارها وتوظيفها هي التي تصنع قيمة الدولة ودورها الحقيقي.
ومن زاوية أخرى، فإن ما يثير الاستغراب في هذا الطرح أن قائله شغل، على مدى عقود طويلة، مواقع متقدمة في الدولة الأردنية، بدءًا من رئاسة الديوان الملكي، مرورًا بمنصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والإعلام، وصولًا إلى مواقع اقتصادية وسياسية مؤثرة. ومن الطبيعي أن يتساءل المتابع: إذا كان هذا التوصيف يعكس قناعة راسخة لديه، فلماذا لم يُطرح بهذه الصراحة أثناء وجوده في مواقع القرار؟ ولماذا يظهر اليوم بعد سنوات طويلة من مغادرة المشهد التنفيذي؟
إن هذا التساؤل لا ينتقص من حق أي مسؤول سابق في مراجعة التجارب أو إعادة قراءة التاريخ، لكنه يضع أمام الرأي العام ضرورة التمييز بين النقد الموضوعي وبين الأحكام التي قد تُفهم بوصفها مراجعات متأخرة لا تستند إلى معطيات جديدة بقدر ما تعبر عن قراءة شخصية للمرحلة، قد تثير تساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات.
إن قوة الأردن لم تكن يومًا في شكل خارطته، ولا في الطريقة التي رُسمت بها حدوده، بل في قدرته على البقاء والاستقرار وسط إقليم مضطرب، وفي نجاحه في بناء دولة ومؤسسات وهوية وطنية متماسكة، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الجغرافيا السياسية. والأهم من ذلك دوره التاريخي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وما قدمه من تضحيات سياسية وعسكرية وإنسانية في سبيلها، وهو جانب لم يحظَ بما يستحقه من حضور في الحديث عن موقع الأردن ودوره.
فالدول العظيمة لا تصنعها الخرائط وحدها، وإنما تصنعها إرادة شعوبها، وحكمة قياداتها، وقدرتها على تحويل الجغرافيا من قيد إلى فرصة.
ولهذا فإن النظر إلى الأردن بوصفه "فصلًا" بين الآخرين يبدو قراءة قاصرة أمام واقع أثبت، على مدار أكثر من قرن، أن المملكة كانت ولا تزال جسرًا للوصل لا للفصل، وحلقة جامعة بين محيطها العربي وامتدادها الإقليمي. فدورها التاريخي لم يُختزل يومًا في حدود مرسومة على الخريطة، بل تجسد في قدرتها المستمرة على مدّ الجسور، وتعزيز التواصل، وترسيخ الاستقرار، وهو ما يجعل الأردن نموذجًا لدولة صنعت من موقعها الجغرافي مساحةً للتلاقي وللوصل لا للانقسام.