facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل يُحاسَب الإنجاز بالمسافة المتبقية أم بميل الخط الصاعد؟


الدكتور عادل الوهادنة
02-06-2026 11:14 AM

* قراءة رقمية غير تقليدية في أداء الحكومات: بين رصد النقص وقياس التقدم

في عالم الإدارة الحديثة، يوجد فرق جوهري بين مدرستين في تقييم أداء الحكومات. الأولى تركز على ما لم يتحقق بعد، والثانية تركز على مقدار التقدم الذي تحقق فعلياً. الأولى تنظر إلى المسافة المتبقية للوصول إلى الهدف النهائي، أما الثانية فتقيس سرعة الحركة واتجاهها واستدامتها.

المفارقة أن جزءاً كبيراً من النقاش العام يقع فيما يمكن تسميته “مهارة اكتشاف النقص”؛ وهي قدرة عالية على رصد ما يزال غائباً دون إعطاء وزن كافٍ لما تحقق أو للاتجاه الذي تسير فيه المؤشرات. هذه المهارة قد تنجح في إنتاج النقد، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أداء الدول.

في المقابل، تعتمد النماذج الإدارية الحديثة على مفهوم ميل الخط (Trend Gradient)، أي قياس سرعة واتجاه التغيير بمرور الزمن. فالاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار والخدمات الحكومية والتحول الرقمي لا تُقاس بلحظة واحدة، وإنما بمسار تراكمي طويل.

لو افترضنا أن دولة ما بدأت عند مستوى 40 من أصل 100 على مؤشر مركب للأداء، ثم ارتفعت إلى 55 خلال فترة زمنية محددة، فإن القراءة التقليدية ستقول إنها ما زالت بعيدة 45 نقطة عن الهدف. أما القراءة الرقمية الحديثة فستسجل تحسناً فعلياً بنسبة 37.5% مقارنة بخط البداية، وهو ما قد يمثل أحد أعلى معدلات التحسن في الإقليم.

السؤال الأكثر عدالة ليس:

هل وصلنا؟

بل:

هل نتحرك بالاتجاه الصحيح؟ وهل سرعة التحسن أعلى من الأمس؟



المثال الأول: الاستثمار

مؤشر الاستثمار

100 |
90 |
80 |
70 |
60 | ●
50 | ●
40 | ●
30 | ●
20 | ●
10 |
+-------------------------
1 2 3 4 5

القراءة

في الاقتصاد الحديث لا يقاس النجاح بحجم الاستثمار الحالي فقط، بل بسرعة نموه واستدامة هذا النمو. الخط الصاعد المستمر أكثر قيمة من قفزة مؤقتة يعقبها تراجع.



المثال الثاني: التوظيف

مؤشر التوظيف

100 |
90 |
80 |
70 | ●
60 | ●
50 | ●
40 | ●
30 | ●
+-----------------------
1 2 3 4 5

القراءة

خلق فرص العمل عملية تراكمية. الحكومات الناجحة لا تعد بالقفزات المفاجئة، بل تحافظ على منحنى تصاعدي مستمر في التشغيل والإنتاجية.



المثال الثالث: الخدمات الحكومية

مؤشر الخدمات الحكومية

100 |
90 |
80 | ●
70 | ●
60 | ●
50 | ●
40 | ●
+------------------------
1 2 3 4 5

القراءة

المواطن يرى أحياناً ما لم يتحقق بعد، بينما تنظر الإدارة الحديثة إلى حجم التحسن المتراكم في جودة الخدمات وسرعة الإنجاز وإمكانية الوصول إليها.



المثال الرابع: التحول الرقمي

مؤشر التحول الرقمي

100 |
90 | ●
80 | ●
70 | ●
60 | ●
50 | ●
+--------------------------
1 2 3 4 5

القراءة

كل نقطة صعود في التحول الرقمي تنعكس على الوقت والكلفة والإنتاجية والشفافية. ولذلك يعد هذا المؤشر من أكثر المؤشرات قدرة على كشف الاتجاه الحقيقي للعمل الحكومي.



المثال الخامس: كفاءة الإنفاق

مؤشر كفاءة الإنفاق

100 |
90 |
80 | ●
70 | ●
60 | ●
50 | ●
40 | ●
+-----------------------
1 2 3 4 5

القراءة

في الإدارة المالية الحديثة لا يقاس النجاح بحجم الإنفاق بل بحجم المخرجات الناتجة عنه. حتى التحسن السنوي بمعدل 3–5% فقط قد يولد وفورات تراكمية ضخمة خلال سنوات قليلة.



لماذا تختلف الأحكام على الحكومات؟

لأن هناك مدرستين مختلفتين:

المدرسة التقليدية

تركز على:

* ما لم يتحقق.
* المسافة المتبقية.
* النموذج المثالي النهائي.
* مقارنة الحاضر بصورة مثالية غير موجودة أصلاً.

المدرسة الرقمية الحديثة

تركز على:

* سرعة التحسن.
* استدامة التحسن.
* معدل النمو السنوي.
* اتجاه المؤشرات.
* ميل الخط البياني.

ولهذا قد تصدر المدرستان حكماً مختلفاً تماماً على البيانات نفسها.



القراءة الأكثر عدالة

الدول ليست مشاريع هندسية تنجز دفعة واحدة، بل أنظمة معقدة تتحرك بسرعات مختلفة في الاقتصاد والصحة والتعليم والبنية التحتية والتشريعات.

ولهذا فإن قياس الحكومات بالمسافة المتبقية فقط يشبه الحكم على عدّاء بدأ السباق متأخراً بعشرة أمتار لأنه لم يصل أولاً، دون النظر إلى أنه قد يكون الأسرع على المضمار.

في العلوم الإدارية الحديثة، لا يُسأل صانع القرار فقط:

أين تقف اليوم؟

بل:

كم تقدمت؟ وما سرعة تقدمك؟ وهل ما زال الاتجاه صاعداً؟



الخلاصة

أخطر أنواع الظلم الإحصائي أن تُقاس الحكومات بما لم تحققه بعد، لا بما حققته فعلاً.

الرصد القائم على اكتشاف النواقص قد ينجح في صناعة الجدل، لكنه لا يكشف حقيقة الأداء. أما الرصد القائم على تحليل الاتجاهات وميل الخطوط البيانية والتقدم التراكمي، فهو الأكثر قدرة على التمييز بين مشروع يتحرك إلى الأمام وآخر يدور في مكانه.

قد تكون هناك حكومة تقف اليوم عند مستوى مرتفع لكنها لا تتحرك، وقد تكون هناك حكومة ما تزال بعيدة عن الهدف لكنها تتقدم بثبات. وفي علم الإدارة والاستراتيجيات العامة، المستقبل لا تصنعه النقطة التي تقف عندها، بل يصنعه اتجاه الخط الذي تسير عليه.

فالتاريخ لا يكتب لمن وصف الطريق بدقة، بل لمن قطع أكبر مسافة فيه.

الدكتور عادل محمد الوهادنة

المراجع

* Organisation for Economic Co-operation and Development
* World Bank
* International Monetary Fund
* United Nations Development Programme
* World Economic Forum
* McKinsey & Company
* Harvard Kennedy School
* Brookings Institution





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :