facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تحديث القطاع العام في الأردن .. ابدأ بـ "لماذا"


عيسى حداد
03-06-2026 09:07 AM

في نظريته الشهيرة، يطرح المُفكِّر والخبير القيادي سيمون سيك نظرية الحلقات الذهبية الثلاث: لماذا؟ كيف؟ ماذا؟ وهي نظرية بسيطة في ظاهرها، لكنها أحدثت تحولاً عميقاً في فهم أسباب نجاح المؤسسات والدول والقادة حول العالم.

يرى سيك أن معظم المؤسسات تبدأ بالسؤال: ماذا نفعل؟ ثم تنتقل إلى: كيف نفعله؟ أما المؤسسات الاستثنائية والقيادات الملهمة فتبدأ دائماً بالسؤال الأهم: لماذا نفعل ما نفعل؟ ثم كيف نفعله؟ وأخيراً ماذا نّقدِّم؟.

إن "لماذا" ليست مجرد عبارة إنشائية أو شعار يُعلّق على الجدران، بل هي الغاية التي تمنح العمل معناه، والبوصلة التي توجه القرارات، والرسالة التي تلهم العاملين وتكسب ثقة المجتمع.

وعند النظر إلى برامج تحديث القطاع العام في الأردن، نجد أن هذا السؤال يستحق أن يكون نقطة الانطلاق الحقيقية لكل عملية إصلاح. فالتحديث لا يتعلق فقط بإعادة هيكلة المؤسسات، أو تطوير الأنظمة الإلكترونية، أو تبسيط الإجراءات، أو تعديل التشريعات. هذه كلها تمثل "ماذا" و"كيف". أما السؤال الأهم فهو: لماذا نريد قطاعاً عاماً حديثاً؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد اتجاه الإصلاح ومعايير نجاحه.

الجواب يجب أن يكون واضحاً وبسيطاً: لأن المواطن يستحق خدمة حكومية أكثر كفاءة وعدالة وشفافية، ولأن الدولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، ولأن التنمية الاقتصادية والاستثمار لا يمكن أن يزدهرا دون جهاز حكومي فاعل ومؤهل ومبتكر.

عندما يدرك الموظف والمدير وصانع القرار هذه الغاية، تتحول عملية التحديث من مشروع إداري إلى ثقافة مؤسسية. عندها لا يعود الموظف يؤدي مهمة روتينية فحسب، بل يدرك أن دوره يسهم في تحسين حياة المواطنين وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الانطلاق من "لماذا" يصنع الفارق. ففي سنغافورة لم يكن الهدف مجرد بناء مؤسسات حكومية فعالة، بل بناء دولة قادرة على توفير حياة أفضل لمواطنيها رغم محدودية الموارد. وقد قادت هذه الرؤية إلى سياسات تعليمية واقتصادية وإدارية جعلت من الدولة نموذجاً عالمياً في الكفاءة والحوكمة.

وفي رواندا، لم يكن تطوير الإدارة العامة والتحول الرقمي مجرد تحديث للإجراءات الحكومية، بل جزءاً من رؤية وطنية لإعادة بناء الدولة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات بعد مرحلة عصيبة من تاريخها. وقد أسهم وضوح هذه الغاية في توجيه السياسات الحكومية نحو رفع كفاءة الخدمات العامة وتحسين بيئة الأعمال وتحقيق معدلات نمو وتنمية لافتة خلال العقود الماضية.

أما في الأردن، فلنأخذ مثالاً حياً: عند إطلاق "منصة سند" للخدمات الحكومية الإلكترونية، لو كان السؤال الأول هو "لماذا" لتسهيل حياة المواطن وتوفير وقته وكرامته لربما صُممت المنصة بشكل مختلف منذ البداية، مع إشراك المواطنين في تحديد أولويات الخدمات. كذلك، فإن تجربة "مركز الاتصال الموحد" في وزارة الاقتصاد الرقمي تُظهر أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي ما لم تكن مدفوعة بهدف واضح يركز على تجربة المواطن وجودة الخدمة.

نعم، هناك تحديات واقعية؛ فالترهل الوظيفي، وغياب المساءلة الفعلية، ومحدودية الموارد المالية قد تعرقل أي عملية تحديث. لكن وضوح الهدف يساعد في تحديد الأولويات واتخاذ قرارات صعبة، مثل إعادة توجيه الموارد نحو الخدمات الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين بدلاً من توزيعها وفق إجراءات جامدة.

مشروع التحديث الإداري الذي أطلقته الدولة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي 2033 يشكل فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة العامة. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأنظمة المستحدثة أو الهياكل التنظيمية المعدلة، بل بمدى قدرة المؤسسات على ترجمة رسالتها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إن المؤسسات الحكومية التي تعرف لماذا وُجدت تكون أكثر قدرة على تحديد كيف تعمل، وأكثر نجاحاً في اختيار ماذا تقدم. أما عندما تغيب الغاية، فإن الإجراءات تصبح غاية بحد ذاتها، ويتحول التركيز من خدمة المواطن إلى إدارة المعاملات.

فإذا أردنا قطاعاً عاماً أكثر كفاءة وابتكاراً واستدامة، فعلينا أن نبدأ بالسؤال الذي تبدأ به الدول والمؤسسات الناجحة دائماً: لماذا؟ لأن الإجابة الواضحة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسات حكومية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق تطلعات الأردنيين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :