ليس من السهولة بمكان اليوم تصنيف البلدان والدول، ولا حتى المجتمعات بحسب هوياتها السياسية؛ لأن طبيعة الهوية السياسية الراهنة من أكثر الأشياء استعصاء على التحديد وصعوبة في القبض عليها ورسم ملامحها بشكل دقيق، فهي متفلتة ومرواغة، وتفر من محاولات الإمساك بها والقبض عليها تحت عناوين محددة، كما تفر طيور الحجل البري عند محاولة الإمساك بها قرب مصادر الماء. بل ربما كان تحديد الهويات السياسية للأفراد اليوم أمرا غير ممكن، وذلك لأن مثل هذا الأمر لم يعد أولوية لا للدول، ولا للجماعات، ولا حتى للأفراد، في زمن لم يعد الثبات النسبي ملمحا من ملامحه، وصار التسارع المفرط، والانزياح المستمر في الرؤى والأفكار والأحلاف والتجمعات هو السمة الأبرز لعالم اليوم، وصارت القوة الخشنة بالإضافة إلى الاقتصاد من العوامل المؤثرة في ترشيح المنهج البراجماتي للتكيف مع كل المستجدات المتسارعة، بدلا من تبني صيغ الثبات والمجابهة، وتأجيل ذلك إلى لحظة امتلاك القوة التي تميل بالطبيعة لمصلحة الطرف المهيمن.
وبالرغم مما سبق يظل تحديد الهوية السياسية لأي دولة أمراً في غاية الأهمية، فهو بمثابة خارطة طريق لإدارة الحاضر والتخطيط للمستقبل، والهوية السياسية ليس المقصود بها إجراء قبليا يصادر على حق المجتمعات في حرية التشكل فكريا وسياسيا عبر رسم مسارات مسبقة تقود إلى أنظمة شمولية تلغي التعدد والتنوع، وتقوض النمو الطبيعي للاتجاهات الفكرية كما يحدث في كثير من البلدان من حولنا، بل تعني العمل على رعاية تشكيل حواضن ومؤسسات مدنية مرنة عبر تحرير العقول من الأحادية المركزية، و دعم حرية التفكير وكفالة حق التعبير، وصيانة حريات الأفراد في حدود الدستور والقانون. ولابد بين يدي ذلك كله من مراعاة نسق تكاملي في الأدوار المنوطة بتلك الحواضن، ابتداء من المدارس إلى الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية والهيئات والجمعيات والروابط الثقافية والفكرية والرياضية ودور العبادة... عبر إكساب الإنسان مهارات التفكير الموضوعي الناقد وأدوات الحجاج، ومنطق الموازنة والمقارنة، وفي الوقت نفسه تأهيل العاملين في الإدارة السياسية بما يكفي ليكونوا قادرين على تمثل مبدأ التسامح مع جميع ألوان الطيف الفكري والسياسي بحيدة ومسؤولية، ليتفهم منتسبو الإدارة العامة على اختلاف مستوياتهم دورهم التنفيذي والتنظيمي باعتبارهم مسؤولين عن تحقيق تطلعات الشعب، ومؤتمنين على أمانيه، ومحاسبين على أي تفريط فيها يؤدي إلى تقويضها أو العمل ضدها، عبر اجتراح خطط واضحة وعملية ومحددة، تفضي إلى تحقيق الأهداف وفق مؤشرات أداء مفهومة وقابلة للقياس، لكي لا تقف السلطات التنفيذية بما تملك من قوة مادية ومعنوية عائقا يؤدي إلى انحراف السيل عن مجراه الطبيعي.
وبناء على ما تقدم فإن من حق المجتمع على السلطات الحكومية بإداراتها وأجهزتها أن تمكن جميع النخب على اختلاف مشاربها ومصادرها من التفاعل الحي مع المجتمع الأردني بحرية سقفها القانون، وأن تنظم هذا التفاعل بالأنظمة والقوانين، إضافة إلى النوايا الحسنة، بعيدا عن فكرة الهندسة القسرية والاحتواء السلبي للاختلاف ومحاصرته والتعامل معه بعدائية، والتعويض عن ذلك بقبول الاختلاف وحسن إدارة الخلاف، ومن ثم تعريض المواطن لتيار واسع من الخيارات والمناهج والرؤى ليكوِّن الأفراد شخصياتهم، والمجتمع هويته الفكرية وشكله السياسي.
ولكي تتم تلك العملية البسيطة والمعقدة في آن معا لابد من أن يتوفر الوعي الوطني الحقيقي لدى الأفراد، بالإضافة إلى توفر الإرادة الوطنية الصادقة لدى الأجهزة الحكومية والإدارية ذات العلاقة، من خلال رفع قدرات العاملين تحت مظلتها، ليؤمنوا من غير شك أن التطوير والتحديث وتكريس الفعل الديمقراطي الذي يبلور الإرادة الشعبية الحقيقية مطلب وطني ملح، ولا يمكن تجاهله أو عرقلته أو تأخيره، إذا ما أريد تفجير طاقات المجتمع الكامنة، ورفع منسوب الثقة بالخطاب الرسمي، وصياغة مشروع وطني جامع يخدم طبقات المجتمع كافة، وفي مقدمة هؤلاء الفقراء والمهمشين والمتعطلين عن العمل، وهم باعتقادي الخاصرة الرخوة والعصب الحائر الملتهب الذي إن لم يعالج سيقض المضاجع، ويمنعنا فسي لحظة ما جميعا من لذة الرقاد بطمأنينة وسلام.