التوافق بين السلطات: هل هو حقيقة أم أننا نقيس الشيء الخطأ؟
الدكتور عادل الوهادنة
03-06-2026 10:57 AM
خلال السنوات الأخيرة ظهر نمط لافت في النقاش العام.
كلما زاد ظهور رئيس الوزراء في الميدان، أو زادت التصريحات الحكومية، بدأ الحديث عن توافق أو اختلاف بين السلطات والمؤسسات.
لكن بعد مراجعة تجارب الإدارة الحديثة في الدول المتقدمة يتبين أن هذا النقاش قد يكون بعيداً عن جوهر القضية.
ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية لا يُقاس الأداء بعدد الجولات ولا بعدد الاجتماعات ولا بعدد مرات الظهور الإعلامي.
بل يقاس بما يسمى:
Gap Analysis Between Promise and Outcome
أي الفجوة بين ما وُعد به الناس وما وصل إليهم فعلياً.
⸻
السؤال ليس:
هل يوجد اختلاف؟
السؤال:
كم مشروعاً انتقل من الإعلان إلى التنفيذ؟
وكم مشروعاً انتقل من التنفيذ إلى التشغيل؟
وكم مشروعاً بقي عالقاً بينهما؟
⸻
لو افترضنا أن الحكومة أعلنت خلال خمس سنوات عن 100 مبادرة استراتيجية كبرى.
فإن التدقيق الحقيقي لا يسأل عن عدد المؤتمرات الصحفية.
بل يسأل:
* كم مبادرة اكتملت بالكامل؟
* كم مبادرة تعمل بجزء من طاقتها؟
* كم مبادرة تجاوزت موعدها؟
* كم مبادرة اختفت من الخطاب العام؟
* كم مبادرة تغيرت أولوياتها؟
⸻
في القطاع الخاص العالمي يعتبر المشروع متعثراً إذا تجاوز موعده بنسبة 20%.
أما في القطاع العام العربي فقد تمر سنوات إضافية دون أن يظهر تصنيف واضح للحالة.
وهنا تبدأ المشكلة.
⸻
المواطن لا يشعر بالخلاف بين السلطات.
المواطن يشعر بالفارق الزمني.
إذا وعدته الدولة بمشروع خلال 3 سنوات ووصل بعد 8 سنوات فإن التأخير الحقيقي ليس 5 سنوات فقط.
بل:
* 5 سنوات من الوظائف الضائعة.
* 5 سنوات من الاستثمار المؤجل.
* 5 سنوات من الفرص الاقتصادية المفقودة.
⸻
لهذا فإن السؤال الذي لا يُطرح غالباً هو:
ما هي الكلفة الوطنية للتأخير؟
وليس:
من المسؤول عن التأخير؟
⸻
فمثلاً:
إذا تأخر مشروع وطني قيمته مليار دينار خمس سنوات.
وكان العائد المتوقع منه 100 مليون دينار سنوياً.
فإن الخسارة النظرية لا تساوي صفر.
بل قد تتجاوز نصف مليار دينار من الفرص الاقتصادية غير المتحققة.
⸻
وفي المقابل قد يُنجز مشروع قبل موعده بسنة واحدة.
لكن أثره الاقتصادي يعادل عشرات المؤتمرات ومئات التصريحات وآلاف الساعات من النقاش السياسي.
⸻
لهذا فإن جوهر القضية ليس التوافق أو الاختلاف.
بل وجود أو غياب ما يسمى:
National Performance Audit
أي تدقيق الأداء الوطني.
تدقيق يجيب بشفافية على أربعة أسئلة فقط:
ما الذي أُنجز؟
ما الذي تأخر؟
ما الذي جُمّد؟
وكم كلف ذلك الأردن؟
⸻
عندها فقط يتحول النقاش من الأشخاص إلى النتائج.
ومن الانطباعات إلى الأرقام.
ومن متابعة الحركة إلى قياس الأثر.
لأن الدولة لا تُقاس بمن ظهر أكثر.
ولا بمن تحدث أكثر.
ولا بمن زار أكثر.
الدولة تُقاس بعدد الملفات التي خرجت من الأدراج ووصلت إلى حياة الناس.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن التوافق أو الاختلاف بين السلطات.