في علم القانون تُعد الصياغة القانونية على نوعيها الشفوية والتحريرية، عنصراً هاماً في تكوين الشخصية القانونية ورزانتها؛ ذاك انها تمثل وسيلة النقل الآمنة التي تنقل الفكرة القانونية من علم المُتكلم الى علم المُخاطب، ولا ضير لو سحبنا هذه الفكرة على علم السياسة، لنربط بينها وبين اللغة التي يجب ان يخاطب اي من كان مضافاً للدولة، كرجل الدولة وابن الدولة واي شخص تربطه بالدولة علاقة من قريب او بعيد.
الدولة بمفهومها الدستوري الشعب والاقليم والسلطة الحاكمة تفرض نمطاً خاصاً من الكلام والخطاب، فصاحب الدولة او رجلها في اي موقع من مواقع المسؤولية فيها، في السلطة التنفيذية او التشريعية او القضائية، تنازع نفسه شخصيتان الاولى شخصية عامة والاخرى خاصة ويجب عليه ان يمارس عمل المهندس او الصائغ او الحائك حين يعتلي منبر الخطاب العام ولا يسمح لشخصيته الخاصة ان تغلب على شخصيته العامة، وعليه ان يمتلك ناصية الخطاب للوصول الى شيفرة المعادلة الواجبة عند مخاطبة العامة.
اذكر اني قرأت ذات يوم للدكتور احمد فتحي سرور رحمه الله، استاذ القانون الدستوري ورئيس مجلس الشعب المصري السابق إبان حكم الرئيس مبارك رحمه الله، ان الشخص العام وجب عليه تذويب شخصيته الخاصة قدر المستطاع لأن اي فعل وان كان من حقه ان يفعله سيعود على شخصيته العامة، وهذا قد يكون له تداعيات غير محمودة.
زلات اللسان واردة ونحن نخطئ لكن حين يتعلق الامر بالدولة والوطن يجب ان نكون حذرين مما تصدره السنتنا، انا شخصياً يعجبني دولة عبد الرؤوف الروابدة، وأعده رجل دولة من طراز فريد ولا ابالغ حين اقول انه يشكل ظاهرة تدرس، فالرجل كثير التصريحات لكن من الصعوبة ان تجد عليه زلة او خطأ واحد لا نزكيه على الله، وربما يكون السبب ان الرجل يتمتع بمخزون ثقافي وطني يساعده على امتلاك الحرف.
ان الناظر اليوم يلحظ كثرة الزلات والاخطاء الخطابية ممن يتصدرون المشهد وممن يعتبرون رجال دوله وبالمناسبة لا فرق بين من خانه التعبير او كان قاصداً فالنتيجة واحدة، واعتقد ان مكمن الإشكالية عند كثير من السياسيين تتمثل في التشبيه والتصوير او ضرب الأمثلة من دون وجود مخزون ثقافي يساعد المتكلم في اخراج المشهد من دون ان يسجل عليه أخطاء، وهذه مسألة في غاية الأهمية ووجب الانتباه لها، فالمواضيع العامة والحساسة اي كانت تحتاج الى هندسة في الكلام وخطاب يليق بجلال الدولة.
* استاذ القانون العام المساعد